بسرعة متواصلة ليلاً ونهار، يستمر الاحتلال الإسرائيلي بعمليات تهويد ممنهجة وتدمير للبنية التحتية للمسجد الأقصى المبارك، حتى بات معلقاً بالهواء كنتيجة طبيعية لتلك الحفريات التي ما فتأت عن النخر بشتى الوسائل بجسد المسجد تمهيداً لهدمة وبناء ما يعرف لديهم بالهيكل المزعوم .
وما يزيد من حدة الأمور وتصاعد وتيرتها ما كشفت عنه القناة الإسرائيلية الثانية أن منظمات وجمعيات يهودية وضعت خطة مدتها 3 أعوام من أجل هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه.
وجاء في التقرير التلفزيوني أن المؤسسات تجهز نفسها لبناء " الهيكل " المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى وهي بانتظار قرار سياسي رسمي في ذلك بعدما تم وضع خرائط للهيكل المزعوم ومدة البناء.
ولفتت إلى أن هذه المنظمات بدأت في نقل المعدات والأدوات اللازمة ووضعها في الأماكن القريبة من المسجد الأقصى .. مشيرة إلى أنه سيتم تفعيل برامج وحلقات بيتية لتشجيع تكثيف اقتحامات الأقصى وتفعيل نشاط شعائر مراسيم الزواج التلمودي في المسجد.
ليبقى السؤال متواجداً ومطروحاً باستمرار، ماذا يعني خبر هدم المسجد الأقصى الذي تتداوله وسائل الإعلام العبرية بين الفينة والأخرى ؟؟.
دعاية موجهة
الكاتب والمحلل السياسي محمد إصليح قال للـ " الرأي" :" إن الدعاية الإسرائيلية موجهة جدا وهي نوع من التهيئة النفسية للرأي العام الإسلامي والعربي.
وأكد أن المؤسسة الإسرائيلية تكثر من الحديث عن الأقصى لدليل على أن شيئا ما يجري بخصوص المسجد الأقصى مرتبط بالانفتاح في العلاقات مع السعودية ودول الخليج و مصر لافتاً أن تصريح ديختر بعدم سماح إسرائيل بتحويل الأقصى مثل مكة والمدينة يعني مدينة مقدسة للمسلمين فقط.
وأوضح اصليح أن السياسات الإسرائيلية تتكيف مع التوجه العام اليميني وهي تجري على قدم وساق دون إعارة العالم أي اهتمام وحديث الملك الأردني ما هو إلا ذر الرماد في العيون لأنه يدرك ثمن بقاءه على العرش القدس.
وأستبعد الكاتب إقدام إسرائيل على عمليات حادة في تغيير معالم القدس بإضافة بنايات وفصل القدر عن سائر المناطق العربية المحيطة بها وهدم أحياء لقطع الصلة الجغرافية والنفسية مع المحيط الفلسطيني المجاور، لافتا الى أنها لن تكون بهذه السرعة التي تؤدي إلى انقلابات حادة في المنطقة أو إثارة المشاعر الدينية مما يضع الشرق الأوسط على حافة الحرب
واكد أأن ما يصرح به باستمرار هي ترويض نفسي للمحيط وكثرة السماع يصبح الخبر عادي ويمر مر الكرام مما يعطي السلطات المختصة العمل دون إزعاج على الأرض وبهذه الدعاية والأحاديث المتكررة تكون إسرائيل قد عملت على تهيتنا على الواقع المحيط بالقدس والأقصى.
وأضاف أصليح :" إن إسرائيل تستغل وضع العرب الراهن والتفكك الحاصل والانشغال الداخلي للدول وحالة القمع للمواطن العربي وانشغاله بنفسه ما يخدم إسرائيل وواقعها مستطرداً قوله :" يبدو أننا نعيش واقع المؤامرة التي أصبحنا نتردد بالحديث حولها لكنها اليوم مؤامرة على القدس تغيير جو سياسي للمنطقة بموافقة عربية دولية".
ماذا لو ؟
وأكد أن السؤال الافتراضي ماذا لو هدم الأقصى ؟ أصبح طرحه عديم الجدوى في الواقع الحالي؛ مشيرا أنها لن تقوم حرب إقليمية وأدوات القمع العربية والإسلامية موجودة والكل سيبدل موقفه بحسب مصالحه للحفاظ على الكيانات العربية المصطنعة من الاستعمار باعتبارها أولوية للحكام والعائلات المالكة.
وبين أن إسرائيل لن تكون بهذا الغباء بهدمه بل سيسبقه حالة تفريغ كاملة للفلسطينيين من المنطقة المحيطة بالأقصى وحالة تطهير وتهجير للفلسطينيين من المنطقة، موضحاً أن إسرائيل لن تضطر لإزالة معالم المسجد لكن سيكون هناك مبنى للهيكل المزعوم تحت الأرض بالكامل أي" مدينة تحت مدينة" على حد وصفه.
بدوره، علق الكاتب والمحلل والسياسي مصطفى أبو السعود على الخبر قائلاً للـ" الرأي" :" أن ما يقوم به الاحتلال منذ زمن بعيد هو تمهيد لهدمه وان الاحتلال لا يخاف أي ردة فعل عربية خاصة على المستوى الرسمي لأنه كبل أيدي الأنظمة باتفاقيات سلام وامن لن تستطيع الفكاك منها وهي أصلا غير راغبة بالفكاك منها لأنها منسجمة في الحكم"
وأضاف:" حتى لو لم يهدم المسجد الأقصى بالمعني المهني للكلمة فإن ما يعانيه الأقصى الآن هو أمر سيء للغاية وما يعانيه الآن يساوي الهدم وفكرة الهدم هي فكرة موجودة في صلب العقلية الإسرائيلية تجاه الأقصى لكنهم ينتظرون الظروف، لافتاً أن الظروف الآن تخدمهم في ظل الخلافات العربية والهموم لكل دولة وفي ظل ملاحقة الاحتلال والسلطة للمقاومين .
وأكد أن ما ذكره الأب مسلم عن تقصير الأردن والسلطة بشكل خاص في حماية المسجد الاقصى لهو دليل واضح على ارتياح إسرائيلي من أي ردة فعل عربية
ليوافقهم الرأي الكاتب صالح عوض على الموضوع بقوله :" في البداية كان الاحتلال لا يمس المسجد الأقصى بأذى تحسّبا لمشاعر أمة الإسلام، ولكن عندما تعرض للحرق في نهاية الستينيات انتهت مخاوفه وهم يراقبون ردة فعل العرب والمسلمين بأن العرب والمسلمين في حالة سبات عميق.. أو في حالة اقتتال عنيف متشابك وقد ألهتهم شياطين الجن والإنس".
بدايات الحفريات
جدير بالذكر، أن اليهود اتبعوا سياسة ممنهجة ومنتظمة تجاه الحفريات تحت أساسات المسجد الأقصى وذلك لهدفين رئيسين، أولهما إثبات أكذوبتهم وأسطورتهم بوجود آثار لهيكل سليمان تحت المسجد الأقصى، ثانيهما وهو الأهم خلخلة أساسات المسجد ومن ثم انهياره وسقوطه تلقاء نفسه، وقد مرت مؤامرة الحفريات أسفل المسجد الأقصى.
مراحل عدة مرت بها القدس تمهيدا لإعمال الحفر والتنقيب كانت بدايتها بعد حرب يونيو مباشرة فقد هدم اليهود حي المغاربة الوقفي ، تبعتها حادثه حرق المسجد الأقصى، وجرت الحفريات على امتداد 80 مترًا حول السور مرورًا بالأبنية الإسلامية هناك تبعتها المرحلة الثالثة خلال الأعوام 1970ـ 1972، وفيها بدأ شق الأنفاق تحت أسوار المسجد من جانبيها الجنوبي والغربي، حتى نفذت إلى الأرضية الداخلية تحت الساحة الداخلية للمسجد، تم الاستيلاء على أبنية إسلامية كثيرة منها مبنى المحكمة الشرعية.
أما عن العام 1973 اقتربت الحفريات من الجدار الغربي للمسجد وتغلغلت مسافة طويلة تحته ووصلت أعماق الحفريات وقتها إلى أكثر من 13 مترً، يليه العام 1974، وفيه توسعت الحفريات مسافة طويلة تحت الجدار الغربي أيضًا الذي ركز عليه اليهود بعد دراسة هندسية لأقرب سبل هدم المسجد تبعه عامي 1975ـ 1976، وفيها توسعت الحفريات حول المسجد أكثر فأكثر، وأزال اليهود مقبرة للمسلمين تضم رفات العديد من الصحابة منهم عبادة بن الصامت وشداد بن أوس رضي الله عنهما.
ويبقي المسجد الأقصى تنتهك أعراضه في ظل صمت عربي وإسلامي مهين، وليبقى السؤال قائماً متي سيتحركون نصرة للمسجد.

