عاش على المال الحرام منذ نعومة أظافره، وتربى على النشل والسرقة لمن يصادف من حوله دون أن يشعر الشخص المقابل، وشرب من كأس ظلم أهله وذويه، وارتكز عمله في الأسواق العامة في جميع أنحاء قطاع غزة، وأصبح الأداة المتحركة بين يدي والديه الجحاف .
ولد" ن- ع " في بيت صغير يسوده الفقر والحرمان والتفكك الأسري، أب ضال مجرم أفنى حياته بين أنقاض السجون، وأم طاغية لا تعرف معنى الحنان وعطف الأمومة، تحثه وتدفعه باستمرار على جلب المال بغض النظر عن مصدره، بل توبخه وتعذبه في حال قصر أو تأخر عن القيام بواجبه اليومي، كعمل معتاد لأبنائها دون أن ترأف بحاله إن كان يعاني من ضعف أو مرض، وكل همها وشغلها الشاغل جلب المال بشتى الطرق غير مبالية بالمصدر.
تنتظر الأم المتجبرة بكل شغف عودة ابنها من عمله الضال، وإحضار الغلة في موعد محدد من قبلها وتشجيع مستمر وثناء لا ينتهي، ليقوى عوده ويشب على الإجرام بكل أنواعه، ناهيك عن إخوته من ذوي السوابق الجنائية المتعددة ومدمني المخدرات الذين شردهم الفقر والحرمان وافترس طفولتهم الظلم والكراهية من قبل والدتهم التي لا تعرف الرحمة، ليفترشون الأرض ويلتحفون السماء بين أروقة المقابر .
من شب على شيء شاب عليه ؛ ليعتاد "ن –ع" عمله الشاق وتفنن في اتقانه، كونه مشبع به منذ صغره ليصبح السارق الخفى والأجدر ليفوق على إخوته الذين يكبرونه سنا، واشتهر بخفة يديه وعقله الإجرامي ليصبح المخطط والعقل المدبر لعمليات السطو والسرقة .
اشتهر بالسرقة وطور من نفسه بمساعدة والدته في ظل الغياب المتكرر لأبيه وأشقائه في قضايا عديدة، وقام بعمل جديد من نوعه مخالف للنصب وعمليات النشل الجزئية، لترتفع وتيرة سرقته لرصد طويل لشقة سكنية داخل عمارة خالية من السكان، نتيجة لسفرهم للخارج وبعد عملية مراقبة وضع خطة محكمة وتمكن من الدخول وسرقة جميع محتوياتها ليلاً على فترات متعددة، بعدما تمكن من فتح الباب بآلة حادة وبيعها في الأسواق.
ولكن معية الله عز وجل كانت أقوى منه ومن دهائه الفارط ، لتتمكن المباحث من القبض عليه متلبساً داخل الشقة حين عاود دخولها للمرة الأخيرة لسرقة باقي الأثاث وحكم عليه لعدة سنوات .
لم تتعظ الأم ولم يردعها سجن ابنها وحكمه الكبير إلا أنها تمكنت من تجنيد ابنها الآخر لتطويه تحت جناحها، وتطوعه لسرقة الحقائب النسائية بعدما اشترت له دراجة نارية لتسهيل عملية النشل.
اعتاد الأخ الأكبر السرقة بشكل ممنهج خاصة النساء كبار السن من أمام البنوك في وقت رواتب الشؤون الاجتماعية ليتمرس المهنة، وتكررت العملية أكثر من مرة ليسرق حقيبة مسنة وقعت أرضاً وأصيبت برضوض وكسر في قدمها صارخة بصوت صاخب أثار ولفت انتباه المارة، وتم القبض عليه بسرعة شديدة من قبل أفراد الشرطة في كمين محكم لدى المباحث ولحق بأخيه الأصغر واعترف بعدة سرقات تقدر بمبالغ مالية طائلة وحكم عدة سنوات .
شعرت بالفرح بعد الإفراج عن أصغر أبنائها باعتباره المدلل والمطيع والقادر على إسعادها بيديه السحرية وعاد لبيتها وحضنها المجحوم بعد قضاء حكمه لتعاوده إلى عمله السابق فور وصوله، كونها بحاجة ماسة للمال في ظل غياب الزوج والأبناء في الوقت ذاته في قضايا مغايرة .
انطلق الابن "ن-ع" بكل شراهة للسرقة سنداً وطاعة عمياء لوالدته التي اعتلى قلبها بالغضب والكره لمن حولها غير مبالية ما حل به وتسجيله مسجل خطر لتدفعه بقوة وصرامة على سرقة الدراجات النارية من الأسواق بعد تدريبه من قبلها على التمثيل للشراء المزيف وارتدائه أفخر الملابس وأرقاها بعد استئجار سيارة حديثة يستقلها ويضعها مسافة تبعد عدة أمتار عن السوق ثم يسير ماشياً ليصل تجار الدراجات ليساوم أحدهم وإقناعهم بكل ثقة بتجربتها قبل عملية الشراء كونه محل ثقة للجميع نتيجة لملابسه الثرية وشكله الأنيق ليستقلها بعيداً ومسرعاً وصولاً لسيارته الفارهة والحديثة ويضعها داخلها ويفر هارباً .
تمكن المجرم من خداع الجميع وتكررت عملية النصب والاحتيال والسرقة باحتراف متقن عدة مرات وفي أماكن مختلفة حتى أصبح معروفاً لدى التجار ومحل للشبهة ليسارعوا بإبلاغ الشرطة وأفراد الأمن والمباحث؛ وبعد اجتماع مطول للإطاحة بالسارق اللبق الذي خدع الكثير كونه حذراً ويتمتع بنوع من الذكاء تمكنوا من وضع خطة وافية بعد الحصول على مواصفاته الكاملة والدقيقة.
وذات يوم مشمس في أحد الأسواق نزل "ن-ع" من بيته بكل فخر، قاصداً الوجهة التي اعتاد عليها، وانطلق بعربته الحديثة للسوق دون كلل أو ملل، ليحاور البائع بكل جدية، من ثم يذهب للتالي حتى وقعت عينيه على دراجة كبيرة الحجم وقام بمساومة بائعها الذي هو نفسه من أفراد المباحث، ليتمكن من مجاراته الحديث ليستقل الدراجة بعيداً ناوياً الهروب كعادته المشؤومة، لتقوم أفراد المباحث بالقبض عليه كون السوق محاط من كل الجهات بأفراد الأمن.
وحول مباشرة على مركز التأهيل والإصلاح وبلغ تكلفة ما جنت يديه من جرائم آلاف الدولارات وحكم عليه خمس سنوات كونه سارق مخضرم، وهكذا انتهت حياة هذا الشاب بين قضبان وسجان .

