على مدار عشر سنوات سابقة حاول القريب والبعيد تصوير غزة كقطاع متمرد وارهابي يستحق العقاب لأنه عنيد يأبى من يديرون الحكم فيه الاستسلام لحل الرباعية الدولية والاعتراف بـ "إسرائيل" والتخلي عن المقاومة، وفي ذلك فهم يقدمون للاحتلال تبريراً على طبق من ذهب لكل الجرائم التي لا زال يرتكبها فيه من حصار كامل وحروب متتالية.
أما هناك، بالتحديد في الشطر الثاني من الوطن الضفة الغربية نجد قيادة تؤمن بالرباعية وشروطها وتعترف بحل الدولتين وتستخدم التنسيق الأمني الكامل، وفي المقابل بات قتل الفلسطينيين على الحواجز بدم بارد روتينياً والأخطر من ذلك ما تتعرض له الضفة من تصفية حقيقية من خلال الاستيطان المستمر والتهويد الكامل.
وهذا يقودنا إلى التساؤل التالي: ما الذي يدفع الاحتلال الإسرائيلي إلى الاستمرار بجرائمه ضد غزة والضفة معاً دون تمييز على الرغم من أنهما يمثلان خطان فلسطينيان متوازيان؟.
وفي السياق، قال أمين عام المبادرة الوطنية الفلسطينية، مصطفى البرغوثي، إن قوات الاحتلال لا تميز بين أبناء الشعب الفلسطيني، مذكراً أن "التنسيق الأمني" هو الذي جلب إلى شعبنا الويلات؛ فهو لا يخدم إلا الاحتلال الإسرائيلي.
وأكد البرغوتي، خلال حديثه لوكالة "الرأي"، أن المقاومة لا تلام على شيء - فهي دفاع عن النفس في وجه العدوان المستمر ضد أبناء شعبنا، مشيراً إلى أن الاحتلال هو المسؤول عن العدوان.
وأضاف: "على الرغم من أن المقاومة (الشعبية) في الضفة المحتلة تلاحق من قبل السلطة والاحتلال إلا أن الاستيطان مستعر"، موضحا أن الحديث بشأن الاستيطان لم يعد عن مجرد وحدات جديدة _ رغم وجود التنسيق الأمني وملاحقة المقاومة بالضفة، بل إن هناك "خطر تصفية حقيقياً وضماً وتهويداً لكامل الضفة".
ونبه إلى أن وقف الاستيطان وردع سلطات الاحتلال الإسرائيلي لا يكون إلا بفرض العقوبات عليها ومقاطعتها، وهو ما تنادي به حركة "BDS"، أيضاً مقاومته بكل السبل المتاحة.
كما شدد البرغوثي، على أن أول ما يجب القيام به في مواجهة الاستيطان، "الإسراع في إنهاء الانقسام وتوحيد الصف الوطني"، مطالباً بوقف التنسيق الأمني، وتنفيذ قرارات المجلس المركزي الفلسطيني، ومجابهة سلطات الاحتلال الإسرائيلي بقيادة واستراتيجية وطنية موحدة.
وكان المجلس المركزي الفلسطيني قرر في مارس/ آذار 2015، "وقف التنسيق الأمني بأشكاله كافة مع سلطة الاحتلال الإسرائيلي في ضوء عدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة بين الجانبين"، لكن حتى اللحظة لم يدخل هذا القرار حيز التنفيذ.
وأكد البرغوثي، على ضرورة إحالة قادة وجنود الاحتلال لمحكمة الجنايات الدولية لما يرتكبونه من جرائم ضد أبناء شعبنا على الحواجز.
ونوه إلى أن الانتفاضة المستمرة في الضفة المحتلة ليست إلا رد فعل طبيعي على ما ترتكبه قوات الاحتلال ضد الفلسطينيين.
وخلال عام مضى من انتفاضة القدس، ارتقى 250 شهيداً، وبلغ عدد الجرحى الفلسطينيين 4 آلاف و770، فيما ارتفع عدد الأسرى في سجون الاحتلال إلى نحو 8500 أسير وأسيرة، حيث اعتقل الاحتلال أكثر من 7000 فلسطيني بمعدل 20 معتقلاً يومياً.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي ابراهيم المدهون: إن عملية التسوية والسلام والتنسيق الأمني والتنازلات لم تجلب على الشعب الفلسطيني إلا الويلات؛ والضفة المحتلة خير دليل.
وأضاف المدهون، خلال حديثه لـ "الرأي": "أن المستوطنات في الضفة المحتلة تأكل الأرض رغم تعاون السلطة بشكل كامل مع الاحتلال"، مؤكداً أن واقع السلطة في الضفة قد تآكل وتحولت قطاعاتها الأمنية إلى حرس للاحتلال وملاحقة المنتفضين الفلسطينيين.
وأوضح أن جهات مشبوهة تحاول زج اسم المقاومة في الصراعات الداخلية، مستغرباً ملاحقة المقاومة بالضفة المحتلة وتغيب الدور الشعبي.
ولا تقتصر جرائم الاستيطان على الأرض فحسب، بل تمتد إلى الاعتداء على المواطنين بالضفة المحتلة من خلال أشكال مختلفة (حرق، وقتل، ومهاجمة، وقطع الأشجار)، حيث تشير الإحصائيات إلى ارتفاع وتيرتها بشكل لافت.
أما فيما يتعلق بتعداد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، والذي تزامن مع إصدار العضو السابق في "الكنيست" (يعكوف كتسالاه) لواحدة من أكثر الحقائق المخفية للاحتلال، بلغ تعداد المستوطنين في الضفة والقدس المحتلتين، ما يزيد عن (766) ألف مستوطن، بواقع (406302) في الضفة الغربية، و(360000) في القدس المحتلة.
وعن هذا، يقول مسؤول ملف الاستيطان في الضفة المحتلة غسان دغلس، إن الاستيطان تضاعف بنسبة 600% منذ توقيع اتفاق أوسلو في 1993م، بين السلطة الفلسطينية والاحتلال "الإسرائيلي".
وذكر، دغلس لـ "الرأي"، أن عمليات الهدم والمصادرة تضاعفت في الضفة والقدس بنسبة 450% عام 2016 مقارنة بعام 2015، وإلى تضاعف عدد المستوطنين والمستوطنات بنحو 600% منذ توقيع اتفاق أوسلو.
وأشار إلى أن بيع وتسويق الوحدات الاستيطانية أيضاً تضاعف بنسبة 850% عام 2016 مقارنة بالعام 2015، مشيراً إلى أن "إسرائيل" تستغل بالكامل 63% من الضفة وهي المناطق (ج) للاستيطان ومعسكرات الجيش والمحميات.

