رغم وجود عشرات الأماكن السياحية والأثرية في قطاع غزة منذ آلاف السنين، إلا أن تلك المعالم الأثرية والسياحية لم تأخذ حقها في الرعاية الكاملة كي تبقى صامدة على مر العصور ، وشاهدة على حضارة شعب متجذر في تلك الأرض منذ القدم ، حيث الحصار المطبق الذي طال كافة مناحي الحياة وأثّر على مجرياتها، الأمر الذي أدى إلى ترميم بعضها بأقل الامكانيات المتواجدة محلياً كي تبقى على قيد الوجود .
و تشكل المعالم الأثرية في قطاع غزة احد روافد الاقتصاد الفلسطيني، الأمر الذي يحتاج إلى تضافر الجهود من اجل إنعاش هذا القطاع و كي تكون كما يجب ، مصدر سياحي يدر ذهبا على البلاد
مواقع أثرية عدة ترصد " الرأي" جزءً منها بالتعريف بها ، وتاريخ وجودها ، والتعرف على واقع الآثار والسياحة في غزة ومنها موقع تل الرقيش الأثري على شاطئ دير البلح " وهو موقع أثري يقع على ساحل دير البلح مباشرة، حيث كشفت عمليات التنقيب التي جرت على التل عن وجود مستعمرة فينيقية كبيرة ومزدهرة، تبلغ مساحتها حوالي ((650×150م، فيها أسوار دفاعية ضخمة طولها حوالي 1600م، ومقبرة ذات طابع فينيقي لدفن رماد الجثث المحروقة، التي يعود تاريخها إلى العصر الحديدي المتأخر، وللفترة الفارسية (538-332ق.م).
ويوحي حجم الموقع ودفاعاته بأنه كان في يوم من الأيام ميناءً بحرياً مهماً، على الطريق التجاري الدولي القديم، وقد كشف المنقبون هنا أنواعاً عديدة من القدور المصنوعة محلياً من الفخار المسمى الرقيش, إضافة إلى قطع فخارية فينيقية وقبرصية .
أما عن خان الأمير يونس (قلعة برقوق" فهو يقع في وسط مدينة خان يونس ,وقد تم بناء هذا الخان سنة 789 هـ/ 1387م، بناه الأمير يونس بن عبد الله النوروزي داودار ( كاتب ) السلطان المملوكي الظاهر برقوق، ولا تزال واجهة الخان باقية إلى الآن، وتتميز بالرنوك الكتابية والوظيفية والوسائل الدفاعية والأبراج.
وقد أطلق على المنطقة الواقع فيها، هذا الخان اسم خان يونس نسبة إليه.
قصر الباشا
الموقع: حي الدرج في البلدة القديمة في مدينة غزة.
تعود أبنية هذا القصر للفترة المملوكية ( الواجهة)، والعصر العثماني ( باقي البناء )، وقد كان مقراً لنائب غزة في العصرين المملوكي والعثماني، أما أثناء الانتداب البريطاني، فقد كان مركزاً للشرطة، وقد أقام نابليون فيه ثلاث ليالِ، أثناء عودته بعد هزيمته في عكا سنة 1799م. تم ترميمه من قبل وزارة السياحة والآثار وتحويله إلى متحف للآثار الفلسطينيةعام 2010م.
الجامع العمري الكبير:
الموقع: في حي الدرج بالبلدة القديمة في مدينة غزة.
يعتبر هذا الجامع بمئذنته، أحد أكبر المساجد الأثرية، وأهمها في مدينة غزة، وأقدم جزء في الجامع العمري، هو بيت الصلاة البازيليكي الطراز، ويعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي منذ الفترة الصليبية، وقد أضيف للمسجد عدة إضافات في العصرين المملوكي والعثماني.
تل أم عامر» الدير المسيحي الأقدم في فلسطين
يعتبر تل أم عامر والمعروف» بدير القديس هيلاريون» من أهم المواقع الأثرية في فلسطين، وهو أول دير مسيحي وضع في البلاد, ويعود تاريخ بنائه إلى مراحل زمنية قديمة، تبدأ من منتصف القرن الرابع الميلادي حتى القرن الثامن الميلادي.
وما زالت عمليات التنقيب مستمرة فيه لاكتشاف المزيد من الآثار، وحل الكثير من الألغاز من خلال تفسير النقوش واللغات المكتوبة على بعض لوحاته.
ويمثل تل أم عامر معلما تاريخيا كبيرا، ومكانا للجذب السياحي لكنه بحاجة إلى عناية واهتمام رسمي لتحويله إلى موقع اثري يجذب الزوار.
حمام السمرا غزة
يقدر عمر حمام السمرا بغزة بحوالي ألف سنة حسب اللوحة الموجودة والتي تشير إلى انه تم إعادة بناء وترميم الحمام علي يد سنقل بن عبد الله المؤيدي في أوائل العهد المملوكي سنة 656 هـ ، ويعتبر الحمام من الأماكن المباركة التي تفيد جسم الإنسان
ويقسم حمام السمرا إلى ثلاثة أقسام مقسمة حسب درجة الحرارة، ويقول مدير حمام السمرا سليم الوزير «لقد قامت الجامعة الإسلامية بالتعاون مع إدارة الحمام ومؤسسة اكويكرز بترميم هذا الحمام».
كنيسة القديس برفيريوس غزة
ويعود إقامة كنيسة القديس برفيريوس إلى سنة 402 م ، ويقول مدير العلاقات العامة في الكنيسة كامل عياد «الكنيسة تقع في سلطة الوقف المسيحي في البطراقية في القدس هي المسئولة عنها»، مؤكداً عدم وجود تمييز بين الآثار الإسلامية والمسيحية لأنها آثار فلسطينية.
متحف العقاد
أخذته الغيرة الوطنية على التاريخ الفلسطيني، فبادر وليد العقاد صاحب متحف خان يونس لإنشاء المتحف في ظل الاحتلال قبل 35 عاما للحفاظ على التراث الفلسطيني الذي كان يتعرض للتدمير والسرقة والتخريب من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ويقول العقاد «طبعا يتم الاهتمام بهذا المتحف بصورة دائمة بالمحافظة على تلك المقتنيات دائما، هذا المتحف مفتوح للجميع وليس ملك لعائلة العقاد بل هو لكل فلسطيني لأنه يمثل تاريخ وحضارة شعب.
البلاخية
يقع موقع البلاخية (الأنثيدون) ميناء غزة القديم على بعد 6 كيلو مترات تقريبا شمال غرب مدينة غزة القديمة، ويغطي مساحة تقدر بـ كيلومتر مربع تقريبا تشمل الجزء الشمالي الغربي من مخيم الشاطئ للاجئين والمنطقة الساحلية المجاورة له والمعروفة باسم منطقة المشتل حتى حدود الشارع الذي يربط منطقة الشيخ رضوان بشارع البحر، يوجد ميناء غزة في الفترة الآشورية واليونانية والرومانية، ومقبرة بيزنطية، وأسوار من الطوب اللبن، وأسوار من الحجر الرملي، ويعود إلى الفترة الزمنية : 1200ق.م – 324م.
جهود متواصلة لحمايتها
بدوره، أكد نائب مدير عام الآثار في وزارة السياحة والآثار م. أحمد البرش على أهمية المواقع الأثرية في قطاع غزة ، فعمرها يمتد في جذور التاريخ، ولكنها تحتاج إلى مزيد من الجهود والإمكانيات والخبراء للحفاظ عليها وترميمها حتى تستقبل الزائرين والمهتمين بشكل يليق بهم، لافتا أن الوزارة تعمل بكل طاقتها من اجل حماية تلك الآثار من العابثين واللصوص .
وبين البرش أن الوزارة تعمل ضمن ثلاث برامج أساسية أولها برنامج التنقيب والحفريات وهو عبارة عن مشاريع للتنقيب والتحري والبحث عن القطع الأثرية والمواقع، في حين يستهدف برنامج الترميم والصيانة الآثار الثابتة كالبيوت والمساجد والفسيفساء لتصبح بحلة جميله ، أما عن برنامج التوعية والإرشاد فيتمثل في تسيير الرحلات لطلبة وطالبات المدارس والجامعات والزوار الأجانب للتوعية وتوضيح أهمية الآثار .
وأوضح البرش أن دور الوزارة لم يقتصر على ذلك بل افتتح متحفين حكوميين قصر الباشا ومتحف دبر البلح ، وإقامة عدد من المعارض المتنقلة لكل محافظة، لافتا أنهم بصدد استهداف المناطق الجنوبية لتوعية الجيل الفلسطيني بأهمية الآثار الفلسطينية وعراقتها .
وقال البرش للـ الرأي" :" يواجه برنامج التمويل صعوبات تتمثل في حاجته إلى دعم مادي كبير، وهذا متوقف منذ فرض الحصار الأمر الذي يدفعنا للتنقيب بأقل الإمكانيات المتاحة "
وشدد على أهمية الآثار باعتبارها دلاله واضحة على وجود الشعب الفلسطيني بدأ من الحضارة الكنعانية بأنها فلسطينية وتثبت بأن غزة وفلسطين ملتقى الحضارات المختلفة ولو بشيء بسيط ، كما أنها دليل على أن فلسطين مهد الديانات السماوية ولها تاريخ منذ الوجود .
وأكد نائب مدير عام الآثار على انه وحسب الإحصائيات الواردة عن الوزارة فإن عدد الأماكن الأثرية مجملة في القطاع 210 موقع ومبني أثرى جلها يوجد في البلدة القديمة في غزة هاشم منها 100 بيت اثري والباقي عبارة عن مساجد وقصور وحمامات ومقامات، مشيرا أن المسجد العمري هو أقدمها بل يعد شاهدا على الحضارات القديمة كونه يرجع إلى أكثر من 3 الآلاف عام .
وتطرق البرش إلى الصعوبات التي تواجه قطاع السياحة والآثار والمتمثلة في الحصار الإسرائيلي ومنع الوفود المتخصصة من الدخول إلى القطاع وعدم وتعاون الحكومات لتوفير الدعم اللازم للترميم والتنقيب، إضافة إلى عدم إدخال المواد اللازمة للترميم، موضحا أن معظم عمليات الترميم تتم بطرق تقليدية للحفاظ عليها
وبين أن السياحة في غزة تقتصر على السياحة الداخلية فقط، أما على صعيد السياحة لخارجية فهي شبه متوقفة بسبب المعابر والاغلاقات حيث الحصار المطبق، ما يؤثر بالسلب على اقتصاد البلاد ويلحق بها خسائر مباشرة وغير مباشرة .
وناشد المنظمات الدولية والمحلية العاملة في المجال بتوفير الدعم المالي اللازم لحمايتها وتوفير المتخصصين المؤهلين والمدربين لتدريب كادر بمقدرته حماية الآثار والحفاظ على جماليتها ، كما ناشد حكومة الوفاق بأن تأخذ دورها في حماية الممتلكات والمواقع الأثرية الفلسطينية .
جدير بالذكر، أن المواقع الأثرية تعرضت لعملية سرقة ونهب منظمة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي كما حدث من تزوير بعض القطع الذهبية والتوابيت وعدد من الأحجار والآثار التي كانت موجودة في تل رفح على أنها قطع أثرية تعود لليهود وغيرها من الممارسات الهادفة لتزوير الحقائق والتاريخ الإنساني.

