بالرغم من الجهود الكثيرة التي يبذلها الأبناء من أجل الحصول على رضا والديهم، إلا أنهم يبقوا مقصرين في تأدية واجباتهم تجاه الآباء والأمهات، فلا شيء يضاهي تضحيتهم وتعبهم وشقائهم الذين قدموها من أجل أبنائهم.
لذلك فإن الدين الاسلامي دعا إلى البرّ بالوالدين والذي يكون من خلال الإحسان إليهما، والقول اللين والتّرفق بهما ومحبّتهما، وتجنّب القول الغليظ الذي يسبب نفرتهما، والحديث معهما بما يحبّان من الألفاظ، وقول ما ينفعهما في أمور دنياهما وآخرتهما، ومعاشرتهما بالمعروف.
وأيضا من أهم طرق البر بالوالدين، طاعتهما في كلّ ما يأمرانه به، من أمر واجب أو مندوب، وترك ما يأمران بتركه ما لم يكن في ذلك ضرر.
بارة بوالديً
تقول الطالبة الجامعية شروق سالم:" أحاول دائما أن أوفر ما يحتاجه والدي ووالدتي من احتياجات ولوازم، وأسعى بشكل دائم بأن يكونا راضيين عني، فالدعاء لي بكلمة الله يرضى عليكِ أفضل شيء أحصل عليه يوميا".
وتضيف في حديث للرأي:" حتى عندما يكون أحد والديَ مريضا، أرى نفسي قد أجهشت بالبكاء المتواصل، وأتمنى لو كنت بدلا منهما، لأنني أعتبرهما بمثابة جوهرة البيت، وبدونهما لا تكتمل الحياة وتفقد جمالها"، مؤكدة أنه مهما فعل الابن أو الابنة لوالديهم فلن ينصفوهم ولن يقدموا لهم أي عمل يوازي تعبهم وتحملهم.
ويكون البر بالوالدين" الأب والأم" بالإحسان إليهما بوجوه البر والصلة، وعدم التقصير في حقهما، وحمايتهما من كل أذى والقيام بخدمتهما.
ومن المؤسف له أن الكثيرين إذا خاطب أحدهم والديه تجده يرفع صوته، ولا يراعي الأدب معهما، وهذا لا شك من العقوق وعدم احترام الوالدين؛ الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، فطاعة الوالدين ورضاهم من طاعة ورضا الله.
"من عاش خادما تحت قدم والديه.. عاش سيدا فوق رؤوس قومه"، هذه العبارة بدأ فيها الشاب الثلاثيني فتحي خالد، الذي أكد أنه دائما يسعى لأن يرضى عنه والديه باعتبارهما أفنيا زهرة شبابهما في سبيل تربيته وإخوته وشقيقاته.
يقول خالد في حديث للرأي:" إنه شعر بالأسى والحزن بعد وفاة والده، فقد كان بمثابة الحضن الدافئ له ولإخوته، وكان صباح كل يوم جديد يذهب لوالديه ويقبل يديهما ويطلب رضاهما"، موضحا أن الأبناء لا يستطيعون أن يشعرون بطعم الحياة ولذتها في ظل غياب أحد الوالدين أو كليهما.
كيف يكون البر؟
ويقول الأخصائي الاجتماعي والنفسي نور الدين محيسن يقول:" إن المطلوب من الأبناء اتجاه والديهم الحديث معهم بالكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة، والمزيد من الاهتمام بكل السبل الممكنة والمتاحة للوصول بهم إلى بر الأمان وذلك لكونهم يعتبرون أنفسهم رغم كبر سنهم أنه مازالوا لهم الكلمة وهم أصحاب المشورة".
ويؤكد في حديث للرأي، أنه لا بد من الاستمرار مع الوالدين بنفس النهج لكي لا يؤثر على نفسيتهم ووضعهم الصحي، هذا من الناحية النفسية والمعنوية، قال تعالى:" ووصينا الإنسان بوالديه حسنا".
ومعظم الآباء لا يلزمهم أي شيء من النواحي المادية، بل يحتاجون إلى أن يشعرون بأن الكلمة مازالت لهم، وأنهم أصحاب الرؤيا داخل البيت أو الأسرة وذلك من خلال الكلمة الطيبة، وأن إلى جانب توفير الأبناء لوالديهم شعور الاهتمام والأمان، وفق ما ذكر محيسن.
وفي تعليقه على دور الآباء والأمهات في دفع الأبناء للبر أو العقوق، يضيف:" بالفعل للآباء دور كبير في تحديد طبيعة تعامل الأبناء معهم، فكما تقول الحكمة: من زرع حصد، وأيضا كللكم راع ومسئول عن رعيته، أي يجب على الآباء عدم التمييز بين أبناءهم حتى ولو كانت معاملة الأبناء تختلف من شخص لآخر، وعندما يشعر الابن أنه مميز عن غيره، ذلك يولد داخله شعور الظلم والغضب وتلعب العاطفة دورها في البر أو العقوق أي "كما تدين تدان. "
للوالدين دور بالعقوق
من جهته يقول مدير الوعظ والإرشاد في وزارة الأوقاف بغزة د.يوسف فرحات:" إن الوالدين سواء الأم أو الأب لهم دور كبير في تربية الأبناء وتعويدهم على السلوك الحسن أو السيئ، وبالتالي عقوق الوالدين أو البر بهما والإحسان إليهما ".
ويضيف فرحات في حديث خاص للرأي:" إن الأب والأم يمثلون قدوة للأبناء، ولكن الأب له شخصية قوية أكثر من الأم كونها تغلب عليها العاطفة، حيث أن الأبناء يخشون من الآباء أكثر من خشيتهم الأمهات.
ويستدل في حديثه على قول الرسول محمد صلي الله عليه وسلم عندما سأله رَجُل فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ، مَن أَحَقّ النَّاسِ بِحُسْن صَحَابَتِى؟ قَال: (أُمُّكَ)، قَالَ: ثُمّ مَن؟ قَالَ: (ثُمَّ أُمُّك)، قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: (ثُمَّ أُمُّكَ)، قَالَ: ثُمّ مَن؟ قَالَ: (ثُمَّ أَبُوك).
وللوالدين دور في عقوق أحد أبنائهم لهم، خاصة إذا كان الوالد سيء السمعة والسلوك فيكون ابنه مثله، فالأب قدوة لأبنائه وهو الذي يجب ان يوجههم للطريق الصحيح والسليم وإن لم يفعل ذلك سيكون مستقبلهم قاتم اللون.

