بدأت تبحث بخوف يصحبه الاندهاش في تفاصيل الوجوه من حولها، أمها أبيها أشقائها الأولاد، مَن أنا، من أنتم، أين أنا؟ .. ، بدأت تطرح الأسئلة على أهل بيتها وكأنها تراهم لأول مرة في حياتها، ازدادت ملامح وجهها شحوباً وكأنها تلك الضائعة التي تبحث عن أصلها.
للوهلة الأولى التي تسمع فيها عن تفاصيل قصة الطفلة "هبة" تتخيل لو أنك تشاهد فيلما سينمائيا يُعرض على شاشات التلفزة، إلا أن هذه المرة حدثت واقعيا خلال مسلسلات العدوان المتواصلة على قطاع غزة.
خمسة عشر عاماً من عمر الطفلة هبة راضي انقضت وكأنها غيمة مثقلة بالماء ثم ذهبت، وأضحت بلا شريط يحتوي على ذكريات حياتها الجديدة والقديمة والحالية، حتى أنها لا تعرف عن نفسها شيئا، وذلك بعد ضربة قاسية تلقتها على رأسها إثر سقوطها أرضاً لتفقد ذاكرتها من بعدها.
هبة لم تتعرف إلى أمها وأبيها رغم أنها الوحيدة لهم من بين إخوتها الذكور، لتعود كطفلة صغيرة لا تفقه في أبجديات الحياة شيئا، ليسود البيت أجواء من الإحباط والخوف على مصير الطفلة الوحيدة التي عادت كما ولدتها أمها لا تعرف عن حياتها شيئا واحدا.
لم يترك والدا الطفلة - كما قالا لـ"الرأي" - أقسام علاج إلا وقد غامرا في محاولة البحث عن علاج لها، حيث وصف الأطباء حالتها بالمستعصية، بسبب تجلط الدم في جمجمة رأسها والذي ظهر في صورة الـ CT لتخطيط الدماغ، نظراً لقساوة الضربة التي تلقتها فلا يمكن لذاكرتها أن تعود بسهولة.
ابتلعت أمها أنفاس الحياة من جديد وبدأت تهيئ نفسها على أنها رزقت بطفلة جديدة بعد خمسة عشر عاما من ميلاد "هبة"، لا تعرف عن هذه الحياة شيئا، وبدأت تعلمها شيئا فشيئا بعد أن تعطل ذهابها إلى المدرسة بعد أن بلغت الصف الأول الثانوي.
"هذا ماء للشرب وهذا خبز وهذا طعام يجعلكِ تكبرين يا طفلتي، هذه دمى للعب وهذا مكان للنوم وهذا تلفاز لمشاهدة الأشياء الجميلة وهذا بيت نعيش فيه، وهذه جدتك وهذا عمك وهذه صديقتك .."، هكذا بدأت الأم بتعليم طفلتها أبجديات الحياة من الصفر وبدأت تحكي لها كل شيء عن الحياة.
ثلاثة أشهر انقطعت فيهن "هبة" عن الذهاب لمدرستها، وعادت لتلتحق بها بعد أن علمتها أمها أن لها هناك صديقات ومعلمات وكتب مفيدة عليها أن تواكبها، وأضحت تتقبل أساسيات الحياة من جديد وتتعلم كل شيء برحابة صدر.
وكما يقول المثل العربي: "رب ضارة نافعة"، ينطبق مثيله على الطفلة "هبة راضي"، "رب ضربة نافعة"، فمع ضربات العدوان المتواصلة على قطاع غزة، اهتز بيت الطفلة لتهرب على الفور إلى أحضان أمها مختبئة من هول صوت القصف "الإسرائيلي" على مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لتسأل أمها أخيراً عن طبيعة ما سمعته لتجيبها بأنها طائرات حربية تؤذي الأراضي الزراعية.
كما المعتاد ذهبت "هبة" لنومها واستيقظت في صباح اليوم التالي لتذهب إلى مدرستها، فقد أخبرتها صديقاتها أن المدرسة تنظم رحلة مدرسية، فبدأت تجهز نفسها للتسجيل، إلا أنها بدأت تسرد لصديقاتها عن رحلات العام الماضي وعن حجم سعادتها آنذاك.
أسرعن صديقاتها إلى أمها وأخبرنها باستعادة صديقتهن "هبة" لذكريات رحلة العام الماضي، ليأتي الخبر السار والمفاجأة الكبيرة للعائلة أجمع بأن ابنتهم عادت إلى طبيعتها وبدأت بتذكر كل شيء، عادت الذاكرة لهبة بعد غياب قصري استمر لأكثر من عام كامل عاشه ذووها بخوف ووجل ونكد وغمة منقطعة النظير، غمة لم تفارق المنزل حتى انزاحت تلك الغمامة.

