على مفترق السرايا الشهير بغزة، تراهم كل صباح، يسرعون إلى السيارات حاملين علب علكة وأكياس من المحارم الورقية، يدخلون برؤوسهم من النافذة، ومن ثم يبدؤون بالحديث مع الركاب كعادتهم كل يوم" الله يرضى عليك..الله يوفقك ويعطيك اللي ببالك..اشتري مني.. الله يحفظلك أولادك، ساعدني بالشيكل".
عبارات كثيرة ومختلفة نسمعها من أطفال صغار يقفون على باب كل سيارة مارة يحملون بأيديهم علبة شوكولاتة أو سكاكر أو ورق محارم صغيرة.. يستجدون كل راكب بضرورة الشراء ويمدون أيديهم رغما عن السائق لعل قلبك يئن وجعا وعطفا عليهم، وأكثر ما قد يمزق قلبك هو تلك الملابس البالية التي قد يرتديها أحد هؤلاء، فيكون في حالة يرثى لها ووجهه شاحبا من كثرة التجول والوقوف طوال ساعات النهار متنقلين بين السيارات.
هذه شريحة من الأطفال الذين يتسترون بعباءة البيع في محاولة لاستعطاف المارة من المواطنين، وعلى الجانب الآخر هناك أطفال يحملون طفولتهم وملامحهم البريئة، ويعرضونها صباح مساء على أرصفة الحاجة والضياع لتكون عرضة للتلوث، وبعضهم يثير الشفقة فيجد من يحنو عليه والبعض الآخر ينفر في وجهه غير مباليا بآلامه وحاجاته.
الأسباب كثيرة
يقول الأخصائي الاجتماعي والنفسي زهير ملاخة:" إن ظاهرة التسول ومد اليد لا يقتصر على فئة الأطفال فقط وإنما النساء أيضا، فبعض النساء يمارسن التسول من دافع التعود على الشيء، كذلك الأطفال انتشارهم على الطرقات للبيع والترجي من أجل الحصول على المال هو مدفوع من الأهل كالأب والأم"، مؤكدا أن غياب الضمير عند بعض أولياء الأمور يدفع بالأبناء لمثل هذا التصرف.
ويضيف ملاخة في حديث للرأي:" إن بعض الأطفال الموجودين بين عوائل أو بمناطق فيها أطفال يمارسون التسول، فإن هذا الأمر يدفعهم للتقليد والعمل بالمثل حتى يستطيع الحصول على المال"، موضحا أن ذلك يأتي نتيجة غياب رعاية الوالدين وجهل بعض الآباء والدفع بأبنائهم بسبب الحاجة والفقر، أو عدم قدرة الوالد على العمل لمرض ما، وهو ما دفع بالبعض للاستعانة بالأطفال، كذلك الصحبة السيئة ".
ويلعب تسرب الأطفال من المدارس وتوجههم للشوارع والطرقات دورا كبيرا في انتشار ظاهرة العمالة في قطاع غزة المحاصر منذ سنوات طويلة، حيث يقومون ببيع العلكة وكتب دينية صغيرة الحجم أو محارم ورقية في طريقة هي الأقرب للتسول والاستجداء من أجل الشراء، وفق ما ذكره الأخصائي الاجتماعي.
ويعكس لجوء الأطفال للعمل في الشوارع والطرقات، صور سلبية على الصعيد الاجتماعي والنفسي ويعكس مأساة بعض العائلات وربما شريحة من المجتمع، حيث يبين مدى الظلم الذي يمارسه بعض أولياء الأمور أو سوء الحال وغياب دور رعاية الأسر المستورة والتي اضطرت للدفع بأولادها للطرقات ومد اليد، أيضا بقاء مشهد الأطفال المتكرر بنفس الأشخاص وفي بعض المناطق يوحي بإهمال من قبل المختصين لمتابعة الأمر ووضع الحلول لإنهاء ذلك السلوك.
حقوق الطفل مهدورة
وتابع ملاخة قوله:" للحفاظ على حق الطفل في ممارسة حياته، يجب تحقيق التكافل الاجتماعي لحل مشكلة أصحاب الحاجة، كذلك متابعة من دفعوا بأبنائهم ظلما وإلزامهم بالوقوف عند حقوق أبنائهم وإلزامهم بالأمر بالطرق المختلفة، كما أن طرق التوعية والإرشاد والمتابعة الانسانية والميدانية أمر مهم مع الديمومة والاستمرارية للحل".
مناطق كثيرة بغزة شاهدة على حجم المأساة التي يعانيها الأطفال في قطاع غزة نتيجة الحصار والظروف القاسية الصعبة، فللوهلة الأولى وخلال مرورك من أمام منتزه الجندي المجهول وسط مدينة غزة، ترى الأطفال الذين يبيعون علب السجائر والشاي والحلوى والسكاكر، تبدو عليهم ملامح الألم والحزن والشحوب، الأمر الذي يجعلك تعتقد أنهم بدون آباء وأيتام أو مأجورين مقابل مبلغ زهيد.
والمراقب لمثل هذه الظواهر يلاحظ بوضوح أن بعض المواطنين يشجعون بغير قصد ظاهرة التسول حيث تعطى الأموال للمتسولين بشتى أنواعهم دون التأكد من حاجة طالبيها.
ظروف قاهرة
من جهته يرد الناطق باسم الشرطة الفلسطينية المقدم أيمن البطنيجي، على عودة المتسولين إلى الشوارع، قائلا:" إن الظروف الاقتصادية والمعيشية بغزة بائسة جدا، ووصلت إلى حد التدهور، وأن الكثير من الأطفال في الشوارع لجئوا للعمل على الأرصفة من أجل سد حاجة أهاليهم بسبب الفقر والمرض ".
وقال البطنيجي في حديث للرأي:" إن الشرطة لا يمكن أن تقوم بين الفينة والأخرى بملاحقة هؤلاء، فهم يبحثون عن لقمة عيشهم لأن الظروف دفعتهم لذلك، وأن الشرطة تقدر ما يعيشه هؤلاء من فقر مدقع".
وبالرغم من الحملة التي قامت بها الشرطة الفلسطينية بغزة سابقا لوقف ظاهرة التسول، إلا أن البعض لم يرتدع وعاد إلى الشوارع مرة أخرى بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، حيث فرضت الظروف على بعض العائلات اللجوء إلى التسوّل كوسيلة لتوفير مستلزمات الحياة، والبعض الآخر استغل تلك الأوضاع لتحسين ظروفه أكثر فأكثر.
جدير بالذكر أن بعض هؤلاء الأطفال المتسولين هم فعلا لم يجدوا خياراً أمامهم سوى طرق جيوب الآخرين بحثا عن رزقهم أو العلاج لبعضهم، تحت ظروف اقتصادية أجبرتهم على التسوّل القسري ولكن بطريقة أخرى.
وتنتشر في شوارع غزة الكثير من حالات التسول سواء من قبل أطفال في عمر الزهور يستعطفون المارة من أجل الحصول على بعض الشواكل، فيما يمتهن بعض النساء التسول من خلال الجلوس على الطرقات أو زوايا الأسواق أو قرب المحال التجارية.

