يدور الحديث بين أروقة الشارع الفلسطيني بغزة عن ظروف صعبة وقاهرة قادمة على القطاع المحاصر منذ أكثر من عشر سنوات، خاصة في ظل حالة الاضطراب السياسي والتراشق الاعلامي بين حركتي فتح وحماس، عقب تهديدات الرئيس محمود عباس باتخاذ اجراءات صارمة وغير مسبوقة لإنهاء الانقسام بغزة.
كان بداية تلك الإجراءات بخصم 30% من رواتب موظفي السلطة بغزة، تبعه تهديدات باختلاق أزمة كهرباء شديدة بغزة سينسى معها أهل غزة تداعيات الخصم على الرواتب، وهو ما يدل على أن الرئيس عباس يحاول استخدام لقمة عيش الفقراء المعدومين والمحاصرين كورقة ضغط سياسي على حركة حماس للقبول بشروط معينة يفرضها هو.
التغول في الانتقام من أناس يتضورون جوعا، ويموتون مرضا، لم يتوقف عند حد معين، حيث يسعى عباس بكافة الطرق والأساليب لخلق حالمة من الشلل داخل المرافق الحيوية والمهمة في قطاع من غزة من خلال التوقف عن تمويل قطاع الصحة أو الصناعة، في وقت لا يزال يفرض فرض ضريبة البلو على الوقود اللازم لتشغيل محطة الكهرباء اليتيمة بغزة، ويرفض رفع الضرائب عنها، في الوقت الذي يقدم فيه كافة التسهيلات لكافة مناحي الحياة في الضفة الغربية.
وإلى جانب قطع رواتب الموظفين، أقدم الرئيس وحكومة الحمد لله على قطع المخصصات المالية للمئات من العائلات الفقيرة بغزة، في وقت قد يسعى فيه لوقف رواتب عائلات الشهداء والجرحى ووقف القطاع الصحي والتعليمي، في محاولة لتأليب الشارع بغزة ضد حكم حماس، جراء الضغط الذي يتعرض له، وهو يحكم بذلك على 2 مليون شخص يسكنون غزة بالإعدام .
إرباك حماس
وفي تعليقه على تهديدات الرئيس عباس لقطاع غزة، يقول الكاتب والمحلل السياسي فهمي شراب:" إن التهديدات هذه لإعلاء سقف مفاوضاته مع حماس والتأثير عليها نفسيا وإعلاميا وإرباكها وجعلها تقدم تنازل، هذا من جهة ومن جهة أخرى قد يكون ينتظر لقاءه مع ترامب والذي قد يكون فيه صفقة القرن الذي يتحدثون عنها، وبمقتضاها مطلوب من حماس أن توافق على ما كانت ترفضه سابقا وتأتي تهديدات الرئيس في هذا السياق أيضا".
ويؤكد شراب في حديث للرأي، أن الرئيس عباس لا يستطيع الاستمرار في سياسته القائمة على تجويع الموظفين، ورغم أن هناك مشكلة مالية تعاني منها السلطة ولكن السلطة تستطيع حلها، فهي الآن أرادت أن تستخدم عنصر الأزمة المالية كأداة لتحقيق أهداف سياسية"، موضحا بأنه قد يكون جزء صحيح فيما ينفذه وهو ترسيخ قناعة بترشيد الاعداد في الموظفين لدى جانب السلطة ليكون أي حل قادم يتمتع بالديمومة والقدرة على التنفيذ.
وفيما يتعلق بإمكانية أن يكون التضييق على قطاع غزة جزء من مخطط دولى لتصفية القضية الفلسطينية، يوضح أن معطيات ومؤشرات الثبات في غزة أكبر من مؤشرات السقوط والتأثر بأي سياسة عقابية قد يتخذها عباس.
ووفق ما ذكره في حديثه فإن التضييق على غزة هو مطلب دولي وأمريكي تحديدا وتم مناقشته في الكثير من المقالات والتحليلات، حيث تم ترجمة الكثير من النصوص الأمريكية التي تتهم عباس بأنه يدعم الارهاب من خلال مد شرايينه بالدعم المالي لأسر الشهداء والجرحى الذين يعتبرهم الغرب جزء من منظومة الارهاب والتي تهدد منظومة الأمن القومي الاسرائيلي.
ويعقب بأن التصدي لهذه المخططات الأمريكية والغربية بشكل عام يكون بقدرة الشعب على إظهار وحدته وتماسكه ورفضه لهذه السياسة، لذا الخروج في المسيرات والاحتجاجات هي رسائل قوية في مواجهة التهديدات.
وعلى نقيض سابقه، يرى المحلل السياسي د.هاني البسوس، أنه لا يوجد هناك شيء يسمى مخطط دولي، وأن المسألة متعلقة بموقف رئيس السلطة الفلسطينية من قطاع غزة وحسم هذه القضية تحت ضغط من الولايات المتحدة، خاصة قبيل زيارة أبو مازن المرتقبة بداية مايو.
يقول البسوس في حديث للرأي:" يبدو أن هناك استئناف لعملية السلام مع إسرائيل، وقد يسبق ذلك خطوات عديدة من أجل حسم أمر القيادة الفلسطينية في يد الرئيس محمود عباس فقط، فهو يضغط على الناس في قطاع غزة كوسيلة للضغط على حركة حماس، لذلك ستدخل غزة في أزمة إنسانية عميقة"، على حد تعبيره.
ويعقب على خطاب القيادي في حركة حماس خليل الحية الأسبوع الماضي، قائلا:" لا تنازل عن مواقف حركة حماس، والرئيس عباس سيزيد من الضغوط خلال الأيام القادمة"، مؤكدا أن فتح لن ترسل وفدا إلى غزة للحديث مع حماس، وفق اعتقاده.
ووفق توقعات المحلل السياسي فإن وعلى ما يبدو أن هناك خطة تدريجية للنيل من غزة بالضغط على الناس، والهدف منها تركيع حماس، وأن التضييق على غزة ليس انتقاما بقدر ما هي محاولة لحسم قطاع غزة، مشيرا في السياق ذاته إلى أن خطوات الرئيس عباس مدعومة من قبل جهات دولية.
ولم تتوقف سياسات الرئيس عباس عند حد معين، فقد أقدمت مالية رام الله على قطع مخصصات مئات الأسر الفقيرة والمعوزة بغزة ليفاقم بذلك معاناتها، كما تسببت السلطة برام الله في منع إتمام الكثير من المشاريع الخاصة بحل مشكلة كهرباء غزة والتي تتفاقم يوما بعد يوم.
وغلى جانب ذلك، أقدم على الطلب من الموظفين بغزة الاستنكاف عن متابعة عملهم لتعطيل الوزارات والمؤسسات في القطاع، وقام بقطع رواتب من خالفوا القرار، في محاولة للتضيق على عمل حركة حماس وزيادة الخناق عليها.
وكان نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية، أكد أن إجراءات الرئيس محمود عباس ضد القطاع تستهدف غزة بكل مكوناتها وتعزز الانقسام وتبعدنا عن آمال الوحدة الوطنية.
وشدد الحية خلال مؤتمر صحفي على أن حركة حماس لا تقبل لغة التهديد والتخويف الممارسة ضد غزة، داعياً إلى الوحدة القائمة على أسس الشراكة الوطنية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وعلى ما يبدو فإن الرئيس عباس يسعى من خلال التضييق على قطاع غزة إلى إيجاد المزيد من الأزمات في القطاع، لاعتقاده بأن ذلك سيجعل غزة تأتيه جاثية على ركبتيها تطلب الصفح والعفو وهو المقصود به هنا حركة حماس..

