قبل أيام انتفضت غزة، ضد الحصار وضد سياسة الرئيس محمود عباس تجاه القطاع خاصة بعد قراراته وتهديداته لها وقطع كل مقومات الحياة عنها بالعلاج والدواء والكهرباء، الانتفاضة التي أرسلت رسائل هامة أبعد من الأزمات الانسانية التي يعاني منها، فعبرت عن الخطر التي تعيشه القضية الفلسطينية، فكانت انتفاضة نذير الغضب التي انطلقت من غزة.
ويرى محللون سياسيون ومراقبون أن الجماهير الحاشدة التي خرجت في مسيرات نذير الغضب قامت بإرسال رسائل مفادها أن زيارة رئيس السلطة محمود عباس لواشنطن ولقائه بترامب هو شيء مرفوض، وهو ما يؤكد أن عباس خسر جزءا كبيرا من شعبيته وجماهيريته.
ووفق ما يراه المحللون فإن مسيرات الغضب بغزة حملت ثلاث رسائل، وهي للتأكيد على دعم الأسرى، والتأكيد على عدم شرعية محمود عباس، ورفض الحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من عشر سنوات متواصلة.
ثلاث رسائل هامة
الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف، يرى أن خروج الأعداد الكبيرة من الجماهير في غزة دليل واضح على رفض السياسات التي يتخذها الرئيس محمود عباس ضد غزة وخاصة الخصم من رواتب الموظفين وأهالي الشهداء وتوقيف إمداد كهرباء غزة بالإمدادات اللازمة، إلى جاب رفض لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موضحا أن هذا يعطي مؤشرا على أن الشعب الفلسطيني لا يزال متمسكا بحقه وثوابته الوطنية.
وفيما يتعلق بإمكانية أن يكون خروج الجماهير استفتاء شعبي بانتهاء شرعية عباس، يقول الصواف في حديث للرأي:" إنه تعبير عن موقف أن الرئيس لم يعد يمثل الشعب، ولا يمكن أن نسميه استفتاء ولكن هو محاولة للتأكيد أن الشعب متمسك بثوابته، وهي مؤشرات تدل على أن الفلسطينيين لن يقبلوا أي تفريط من عباس بأي جزء من الأرض الفلسطينية.
وتحمل مسيرات نذير الغضب وفق الصواف ثلاثة رسائل أهمها، التأكيد على دعم الأسرى في إضرابهم المتواصل، والتأكيد على عدم شرعية محمود عباس، ورفض الحصار الظالم وأنه اذا استمر الاحتلال في حصاره فإن الشعب بغزة سوف ينفجر في وجه العدو، مشيرا إلى أن هذا الموقف تتبناه جميع الفصائل وليس حركة حماس لوحدها.
ووفق ما ذكره في حديثه، فإن من يعرف الرئيس عباس يدرك تماما أن خروج هذه الجماهير الحاشدة الرافضة لقراراته لن يغير شيئا، لأن عباس دائما يؤكد أنه على حق، وبالتالي فهو لن يلتفت لكل هذه النداءات.
سخط على الرئيس والاحتلال
من جهته يقول الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون:" إن خروج الجماهير بغزة جاءت ردا على القرارات التي اتخذها الرئيس محمود عباس ضد قطاع غزة والتهديدات التي أطلقها مؤخرا ورفضا لمحاولاته قطع الكهرباء عن غزة وفرض الضرائب عليها، إلى جانب قطع رواتب الموظفين وأهالي الشهداء والأسرى".
ويؤكد المدهون في حديث للرأي، أن مسيرات نذير الغضب أوصلت رسالة للاحتلال بأن الانفجار سيكون في وجه المحتل كونه يتحمل مسئولية كبيرة عن تفاقم الأوضاع في غزة، وتراكم الأزمات فيها، منوها أن هذا يحتاج مصالحة حقيقية تشارك فيها كافة الفصائل الفلسطينية.
ويعتبر خروج الجماهير الحاشدة بمشاركة كافة الفصائل من كافة مناطق القطاع المحاصر دلالة واضحة على حالة السخط الكبير على الرئيس، وهو دليل على أن عباس لا يمثل الشعب الفلسطيني بشقيه وهي صرخة مدوية بأن شرعيته قد انتهت، على حد تعبير المدهون.
ووفق ما ذكره فإن الرئيس عباس يريد أن يتخلص من قطاع غزة وأزماته، في وقت يقوم به بذر الرماد في العيون من خلال المطالبات بتسليم وزارات ومؤسسات قطاع غزة لحكومة التوافق برئاسة رامي الحمدلله، وهو ما يعتبره المدهون مطالبات غير حقيقية ومحاولات لخداع الرأي العام الفلسطيني، وهو يحاول الحصول على المجد الشخصي، ويعتبر مجرد زيارته لواشنطن ولقاء ترامب إنجاز حقيقي.
وبخصوص محاولات حماس عزل الرئيس سياسيا من خلال المسيرات الحاشدة في نذير الغضب، يستدرك حديثه قائلا:" ربما الحديث عن فعل وردة فعل لأن الرئيس عباس لم يقدم سوى تصعيد بالقرارات والتهديدات وقد تقابله حماس بتصعيد، والحركة لديها جماهير وتمتلك الكثير من أوراق القوة ولهذا فإن ردود حماس تأتي بحجم ما قام به الرئيس".
وثيقة حماس تمهيد لحوار
ويوافق المحلل السياسي مأمون أبو عامر ما تحدث به سابقيه عن أن حالة الغضب بغزة ومسيرات المحتجين هي رسالة واضحة للاحتلال بضرورة تحقيق مطالب الأسرى المضربين عن الطعام، وأن مسيرات الغضب حملت تفاعلا كبيرا خاصة في ظل الظروف السياسية الصعبة تحديدا بعد قرارات الرئيس عباس بقطع الرواتب ووقف إمدادات الكهرباء لقطاع غزة.
ويقول أبو عامر في حديث للرأي:" مسيرات نذير الغضب وجهت رسالة أخرى بأن زيارة عباس لواشنطن ولقاء ترامب خطوة مرفوضة، وأن الرئيس بقراراته المجحفة ضد قطاع غزة المحاصر قد خسر جزءا من شعبيته".
وبالرغم من أن المسيرات الغاضبة خرجت ضد عباس، لكنها في الوقت نفسه وجهت رسائل للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لا يمكن ممارسة الضغوط على الرئيس ورفض هذه السياسات، وأن أي ضغط لن يفيد في أي حل سياسي وفرضه على الشارع الفلسطيني، على حد قول المحلل السياسي أبو عامر.
ولا يتوقع أبو عامر للوضع بغزة سوى المزيد من الغموض في ظل تسارع الأحداث وخصم الرواتب، وقد تزداد الأوضاع سوءا أكثر فأكثر بسبب طبيعة الإجراءات التي تتخذها السلطة، وإمكانية أن تزيد من الضغوطات أم تتراجع عن بعضها.
ويلفت في حديثه إلى أن وثيقة حماس هي وثيقة ايجابية تجاه السلطة، وهذا قد يعزز موقف السلطة لقبول حركة حماس، وقد تقبل بالتوافق الوطني وهو ما يمهد لفتح حوار جديد بينهما.
وكانت مسيرات جماهيرية حاشدة قد انطلقت بغزة تحت عنوان "نذير الغضب" على طول طريق صلاح الدين من مدينة رفح جنوبا الى بيت حانون شمالا، بدعوة من هيئة الحراك الوطني لكسر الحصار عن قطاع غزة.
ويقدر عدد المشاركين بفعاليات "نذير الغضب" بعشرات الآلاف، بمشاركة الفصائل الفلسطينية كافة، باستثناء حركة فتح، حيث انطلقت المسيرات من جميع أنحاء قطاع غزة، مشكلةً أطول وأكبر سلسلة بشرية في أقرب نقطة تماس مع الاحتلال.
ورفعت الجماهير الفلسطينية خلال المسيرات الحاشدة لافتات تطالب بكسر الحصار، وتحمل الاحتلال المسؤولية الكامل عن تبعاته، كما هتفت الجماهير "ارحل ارحل يا عباس.. غزة كبيرة ما بتنداس"، وأيضا هتفت "عباس لا يمثلني" "حقنا في الدواء والعلاج، حقنا في الكهرباء"، مطالبين بالعمل على كسر الحصار المستمر على القطاع منذ أكثر من 11 عاما، متهمين الرئيس محمود عباس بالمشاركة فيه وتشديده.

