"أيام قليلة فقط ويحل شهر رمضان ضيفا عزيزا، لكنه سيأتي يتيما لأنني لن أتمكن من شراء فوانيس ملونة يلعب بها أطفالي، ولن أستطيع أن أوفر أبسط الأمور من فطور وسحور حتى أصبح ذلك عندى معضلة كبيرة".. بهذا الحديث بدأت الموظفة أم أحمد" حديثها عن اقتراب شهر رمضان الذي يفتح عليها جروحا لا تنغلق أبدا، خاصة أنها لا تتلقى من راتبها سوى 300 شيكل فقط كل شهر ونصف.
وكغيرها من موظفي غزة تنتظر على أحر من الجمر أي انفراجة قريبة لعل وعسى أن يتم صرف سلفة للموظفين لتدبير أمورهم خلال الشهر الكريم، في وقت كانت قد سحبت قرضا بنكيا واشترت شقة سكنية لكى تتخلص من الايجار، لكن "البنك مش راحم نهائيا.. يخصم بشكل دائم"، وذلك على حد تعبيرها.
قروض وخصم
ولم تتوقع أم أحمد أن يأتي رمضان دون أن تحصل على راتبا كاملا، خاصة في ظل الدفعة المالية التي يتم صرفها من وقت لآخر وعلى فترات بعيدة وليست مستقرة، والتي لا تكفي لسد مصاريفهم الأساسية والضرورية، مضيفة:" فما بالنا لو جاء شهر رمضان ومصاريفه التي لا تنتهي سواء من زيارات صلة رحم أو استقبال ضيوف وعزومات ".
وتقول في حديث للرأي:" لدي أربعة أطفال أغلبهم بعمر 3 سنوات وأقوم بوضعهم داخل حضانة، وكلما شاهدوا شيئا جديدا مع الأطفال يرغبون بمثله، وهذا يفوق طاقتي، إلى جانب اتصال إدارة الحضانة بشكل شبه يومي للحصول على رسوم ثلاثة شهور ولا أعرف كيف سأقوم بدفعها في ظل الظروف الاقتصادية والمادية الصعبة التي أمر بها".
وبالرغم من أن زوج أم أحمد يعمل هو الآخر موظفا لكن لا يتلقى من راتبه سوى 620 شيكل فقط، حيث يتم خصم القرض الذي حصل عليه لبناء شقته أيضا من راتبه، ويذهب ما تبقى من الراتب للديون والحضانة والحاجيات الضرورية للمنزل.
وحول سؤالها بالشعور بطقوس شهر رمضان تضيف:" بغض النظر عن الظروف الاقتصادية والمادية المتردية، إلا أن طقوس رمضان جميلة بصلاة التراويح، ومن خلال تجمعنا مع بعض على سفرة الأكل ".
ولم يتلق الموظفون الذين يبلغ عددهم نحو 40 ألفا، رواتب كاملة ومنتظمة منذ شهر تموز/يوليو 2013، حيث تنقسم أعداد الموظفين وفق بيانات رسمية لوزارة المالية إلى 23 ألف موظف مدني، و17 ألف عسكري.
ويقول الموظف عماد اللخاوي وهو أب لثلاثة أطفال:" إنه بالرغم من أزمة الرواتب التي لم تضع أوزارها لتزيد هموم الموظف كغلاء الأسعار وخلو الأسواق من المتسوقين بسبب الجيوب الفارغة، إلا أنني أبذل ما بوسعي من أجل استقبال هذا الشهر الكريم الذي يحتفظ ببهجته وبريقه فهو شهر عبادة وخير".
قهر الظروف
ويتقاضى اللخاوي والذي يعمل في وزارة الأوقاف بغزة راتبا بمقدار 1400 شيكل شهريا من أصل 2750، حيث يذهب أغلب الراتب الذي يحصل عليه للديون التي تصل لأكثر من 400 شيكل، إلى جانب مصروف البيت والحاجيات الضرورية للأطفال، كما يدفع للجمعية التي يشترك فيها 200 شيكل كل شهر.
وليس هؤلاء الموظفين وحدهم الذين يعانون نتيجة غلاء المعيشة وسوء الأوضاع والظروف الاقتصادية السيئة نتيجة الحصار المفروض على القطاع، لكن رداءة الظروف أجبرتهم على التأقلم مع الواقع المريري، حيث يقول الموظف حسام حجازي في حديث للرأي:" إن شهر رمضان يأتي حاملا الخير والبركة معه، ولكن رغم ذلك هناك احتياجات كثيرة تزيد يوما بعد يوم ومصاريف الشهر الفضيل أكثر من الأيام العادية".
ويتقاضى حجازي وهو موظف عسكري راتب 1400 شيكل كل 17 الشهر، ولكن ينتهي الراتب في أول عشرة أيام من استلامه، حيث يقوم بتقسيمه على الأهل والديون المتراكمة للبقالة إلى جانب ملابس الصغار الضرورية، ورسوم رياض الأطفال وزيارات الأقارب والمناسبات الاجتماعية التي لا تتوقف أبدا.
ووفق ما ذكره فإن الظروف صعبة للغاية، حيث أن راتبه لا يتبقى منه سوى 400 شيكل لا تكفي لاحتياجات الشهر بأكمله، كما أن لوازم شهر رمضان بات سعرها مرتفع، في وقت لم يقم به بشراء فوانيس كي يلعب بها أطفاله أسوة بباقي الصغار الذين يجدون الفرحة في اللعب مع أمثالهم في تلك الأيام المباركة.
وفيما يتعلق بإذا كان الراتب يكفيه لشهر رمضان وصلات الرحم، يضيف:" لدي تسع عمات وأربع خالات، وأيضا شقيقاتي وأهلي، ويذهب ثلث الراتب لتلك المناسبات والزيارات الاجتماعية خاصة أننا في شهر فضيل يجب أن نكون فيه أقرب للعمل بصلة الرحم"، موضحا أنه مهما تعامل بحكمة في صرف راتبه يبقى الوضع في حالة يرثى لها.
مثقل بالهموم ولكن
ولا يختلف حال الموظف زهير ملاخة عن سابقيه، حيث يقول:" الوضع العام سيء جدا، الرواتب لا تكفي لسد الحد الأدنى من الاحتياج، والظروف الاجتماعية مليئة بالأزمات، وبالتالي تلقائيا لن يمارس المواطن أو يستقبل المناسبات بشيء من التحضير المسبق لأنه مثقل بالهموم"، مؤكدا أنه يجب أن نعين أنفسنا على حسن الاغتنام، ونستحضر الجانب الإيماني وصفات التواضع والتوكل على الله للتغلب على التفكير السلبي.
وعن استعداداته لشهر رمضان، يتابع:" من ناحية مادية لم أقم بالتجهيز لرمضان، لكن من ناحية نفسية استعددت له، بصراحة الهموم والأسى واضح على جبين أغلب الناس، العامل والموظف والشاب باستثناء شريحة بسيطة من ميسوري الحال، وهذا واقع وبالتالي من الطبيعي أن تغيب الطقوس نتيجة الظرف الصعب والخوف المسيطر على الجميع والترقب نظرا لسوء الحال في جميع جوانب الحياة".
ويعمل ملاخة أخصائي نفسي، حيث يؤكد أن المطلوب تكاثف اجتماعي صادق يتجلى فيه العدل والمساواة والقرب من الجميع والبساطة في ادخال الفرح في قلوب الناس، وتعويض نقص تلك الحاجات وغياب المقدرة لديهم.
ويواصل الموظفون بغزة مناشداتهم من أجل منحهم راتب كامل أو رفع نسبة الراتب كي يشعرون بطعم الحياة ويوفرون لأبنائهم حياة رغيدة سعيدة.

