"دنيا ماشية ورايحة فينا ومحدش مدور فيها علينا...الكهربا قاطعة والمية والحصار اشتد علينا"، يارب حنن قلوب الناس وأصلح ما بين فتح وحماس"، بهذه الأغاني والمواويل يصدح صوت المسحراتي يوسف رضوان في أرجاء معسكر الشاطئ بغزة لإيقاظ النائمين لتناول وجبة السحور.
ويلجأ الكثير من شباب قطاع غزة إلى تسحير أهالي الحي الذي يقطنون فيه، باعتبار هذه المهنة مصدر رزق مؤقت لهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والحصار المطبق.
مهنة مميزة
"الرأي" عاشت بعض اللحظات مع الشاب يوسف الذي تحدث عن بدايات عمله في مهنة المسحراتي وعن كيفية وراثتها، يقول للرأي:" كنت أخرج برفقة أحد المسحرين منذ اثنا عشر عاما ومن ثم توقفت عن العمل لأسباب خاصة، وسرعان ما عدت لتلك المهنة منذ ثلاث سنوات، وحصلت على تصريح من قبل وزارة الداخلية وأعجبتني"، موضحا بأن هذه المهنة مميزة ومن التراث القديم للشعب الفلسطيني وعادة نعتز بها ونتوارثها عن أجدادنا.
وعند اقتراب عقارب الساعة من الواحدة والنصف بعد منتصف الليل يستعد يوسف كعادته في كل ليلة من ليالي رمضان، ومن ثم يبدأ في حوالي الساعة الثانية قبل الفجر بجولته الليلية في شوارع وأزقة معسكر الشاطئ غرب مدينة غزة، وهو يردد الأناشيد يرافقه قرع طبلته، حيث ينادي بأشهر العبارات التي يرددها المسحراتي" اصحى يا نايم وحد الدايم" بهدف إيقاظ الناس للسحور.
ويشعر المسحراتي بالسعادة والفرحة تملأ قلبه حينما يجد تفاعلا إيجابيا وكبيرا من قبل المواطنين خاصة كبار السن والأطفال الذين ينتظرونه على الأبواب تعبيرا عن فرحتهم برؤيته وهو يقرع على الطبلة التي يتردد صداها داخل الأزقة والشوارع المترابطة.
أجواء رمضانية جميلة
ويقول المواطن حسين محمد:" إن وجود المسحراتي يشعر الناس بالطمأنينة والأمن والتعاضد المجتمعي، خاصة في ظل حاجة الناس لمثل هذه الأجواء الرمضانية الجميلة التي تدل على عراقة التاريخ الفلسطيني"، موضحا أنه يهرع إلى الوقوف على الباب عند سماع صوت المسحراتي آتيا من بعيد.
ويؤكد في حديثه للرأي، أنه بالرغم من وجود الكثير من الأدوات والأجهزة الحديثة التي تغني الصائمين عن وجود المسحراتي من أجل تناول وجبة السحور، مثل المنبهات والساعات الرقمية وغيرها، إلا أن المسحراتي يتسبب في خلق أجواء مشحونة بالحب والود والالتفاف الشعبي.
ينادي للرواتب والكهرباء
وتتميز ساعات التسحير وإيقاظ النائمين عند يوسف عندما ينادي وهو يردد بعض المواويل الدينية والشعارات الوطنية التي تطالب بالوحدة بين شطري الوطن ورفع الحصار عن غزة، والدعوة بالرحمة للشهداء والشفاء للجرحى، إلى جانب بعض الأغاني والأناشيد التي تعبر عن الواقع السياسي.
وفيما يتعلق بالمواقف الطريفة التي حدثت معه خلال التسحير، يضيف:" كثيرا ما أجد كبار السن يقفون على الأبواب بانتظار وصولي، حيث يحاولون إجباري على تناول وجبة السحور معهم، الأمر الذي يجعلني أشعر بالسعادة الغامرة، كما يطلب مني الأطفال أن أنادي على كل واحد منهم باسمه مثل محمد وبلال وندى وغيرهم من الصغار".
ومن خلال حديث المسحراتي يوسف يتبين أن هناك تفاعلا كبيرا من المواطنين معه، حيث يطلب منه الكثير من الناس أن يقوم بالمناداة عليهم عند التسحير وتحديدا الرجال كبار السن، مثل عبارة "اصحى يا محمود وحد ربك المعبود"، وهو ما يشعره بسعادة لا توصف عندما يستقبله المواطنون وهم يهتفون باسمه" وصل المسحراتي أبو السعيد ".
ويقدم الكثير من المواطنين للمسحراتي وجبات السحور والعصائر والحلوى تعبيرا عن فرحتهم بلقائه وتلهفا لقرع طبلته ليلا، في مشهد جميل يؤكد على مدى التعاضد والتماسك بين أبناء أهل غزة وكافة أبناء الشعب الفلسطيني، والأجواء الايمانية الرمضانية.
وبعد انتهاء شهر رمضان يعود يوسف إلى مهنته، حيث يعمل حارسا في إحدى العمارات السكنية بغزة، ولكنه يضطر للعمل في مهنة المسحراتي ويتخذها وسيلة للرزق ليحصل منها على بعض المال الذي يساعده في تحسين وضعه الاقتصادي، كونه أب لثلاثة أطفال.
ووفقاً للعادات والتقاليد المتعارف عليها في فلسطين فإن أجرة المسحراتي يتلقاها ليلة العيد حين يعلن عن انتهاء شهر رمضان ودخول أول أيام عيد الفطر، حيث يقوم بزيارة البيوت في المنطقة التي كان يوقظها للسحور خلال الشهر الفضيل، والناس بدورهم يقومون بتقديم النقود له وشكره على ما قام به من جهد، وهو ما يعني منح إكراميات.
جدير بالذكر أن أول مسحراتي ظهر عام 238 هجري، وهو والي مصر عتبة بن اسحاق، حيث كان يطوف شوارع القاهرة ليلا لإيقاظ الناس لتناول السحور استعدادا لصيام يوم جديد من رمضان.
وندرج هنا أهم ما ينادي به المسحراتي خلال عمله في إيقاظ النائمين في شهر رمضان..
الكهربا قاطعة والناس خارج البيوت.. لا رواتب ولا فلوس
من عندك ياربي هدي النفوس...
يا عالم الكهربا قاطعة والناس بتجهز السحور على ضوء الفانوس.

