"وكم من رمضان يمضي ونحن نتألم من البعد عن الأحبة، نتألم من البعد عمن فقدناهم، ونتألم من البعد عمن ننتظر أن نراهم، نسألك يا الله أن ترحم من فقدناهم وأن تجمعنا بمن ننتظر لقائهم، ولا تجعلنا نتألم أكثر من البعد عنهم، فنحن لم نعد نقوى على الفراق".. كلمات ملتهبة بنار الشوق والحنين كتبها الناطق باسم مبعدي كنيسة المهد لغزة فهمي كنعان لذويه، معبرا فيها عما يختلج بقلبه من رغبة في الالتقاء بذويه وزوجته وأطفاله الذين لم يراهم منذ 15 عاما.
ويأتي شهر رمضان كل عام ومن ثم يليه عيد الفطر دون أن يشعر كنعان بهما، فالعيد بالنسبة له أقل من يوم عادي، وما فائدة رمضان وهو بعيد جدا عن والدته والده زوجته أطفاله الذي حرمهم الاحتلال البغيض رؤيتهم، كما حرمه لذة الاجتماع معهم على مائدة طعام واحدة، وكيف يأتي العيد وهو لا يشتم رائحة كعك والدته من بعيد ولا يتذوقه..هى الحسرة والشوق والحنين الذي ينكأ الجراح كل عام على أمل اللقاء.
15 عاما من الألم
يقول كنعان للرأي:" رمضان والعيد هذا العام هو الخامس عشر لابتعادي عن مسقط رأسي في مدينة بيت لحم، وتتعاظم معاناتنا بسبب إعادة الذكريات الجميلة في ذاكرتنا، وكذلك بسبب حرمان الاحتلال الاسرائيلي لأهلنا من زيارتنا في غزة أو الالتقاء بنا، حتى زوجاتنا وأولادنا ممنوعون من العودة الى بيت لحم إلا عن طريق مصر والأردن ثم الى الضفة الغربية".
وكانت سلطات الاحتلال الاسرائيلي قد أبعدت بتاريخ 10 أيار 2002م، تسعة وثلاثين مواطنًا فلسطينيًا احتموا داخل كنيسة المهد في بيت لحم، 26 منهم أبعدوا لغزة و13 تم توزيعهم على عدة دول أوروبية.
ويفتح الإبعاد قسرا لحظات من الألم والحزن والمعاناة على المبعد كنعان، الذي يصف شهر رمضان بأنه خال من الفرحة وأن فرحته منقوصة وليس له طعم بدون الأم والأب والإخوة والأخوات، وخاصة أنه تعود على زيارة الرحم ودعوتهم لتناول الافطار، وأصعب لحظة تمر عليه هو وقت الافطار ليجلس وحيدا منذ 15 رمضانا مضى عليه وهو يستعيد الذكريات الجميلة.
ومثلما يذكر كنعان فقد كان المبعدون متعودون على زيارة الرحم في شهر رمضان في بيت لحم، وفي كل عيد كانوا يزورون أقاربهم، لكن في غزة يذهب المبعدون يوم العيد للصلاة ومن ثم يعودون للبيت للنوم فقط، وبذلك يكون العيد بمثابة قطعة من العذاب مسلطة عليهم.
ذكريات وإنجازات
وأصعب ما قد يعانيه المبعدون هو فقدان الأعزاء على قلوبهم كالأم والأب دون القاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم، حيث أن 18 مبعد فقدوا أمهاتهم أو آبائهم دون أن يتمكنوا من رؤيتهم أو الاجتماع بهم وحتى أن بعض الأمهات توفين وهن ينطقن أسماء أولادهن المبعدين، وكانوا يتمنون رؤيتهم قبل الممات، وإلى جانب ذلك عانى المبعدون أيضا في غزة من ثلاثة حروب متوالية وكانت نتائجها صعبة على أولادهم كذلك.
وأخطر ما مر به المبعدون هو الانقسام الفلسطيني الذي قضى على قضيتهم، ولفت النظر عن عودتهم بسبب ما حصل، وحالة الفرقة بين الضفة وغزة، الأمر الذي لم يمكنهم من إيصال صوتهم وهم محاصرون في غزة ولا أحد يكترث لمعاناتهم، على حد تعبير كنعان.
لكن في المقابل لم يستسلم المبعدون للإبعاد، حيث أراد الاحتلال من خلال الابعاد تدمير حياتهم وإنهائهم، إلا انهم لم يستسلموا بل حوَلوا الابعاد الى منحة، حيث أكملوا تعليمهم ودراستهم، إضافة الى كونهم أصبحوا يتزاورون مع أهل غزة في افراحهم وأتراحهم ومناسباتهم الوطنية.
وبالرغم من مرارة الابعاد وفراق الأحبة والأهل، إلا أن المبعد كنعان والذي يبلغ من العمر 46 عاما، تمكن من استكمال دراسته في بكالوريوس بتقدير امتياز، ودبلوم صحافة وعلاقات عامة حيث حصل على المرتبة الأولى في الكلية بمعدل 93.5، كما درس ماجستير علوم سياسية بتقدير جيد جدا والآن يكمل في الدكتوراة.
واعتقلت سلطات الاحتلال المبعد كنعان أكثر من خمس مرات خلال الانتفاضة الأولى، كما قضى 30 عاما ما بين المطاردة والأسر والإبعاد .
ويناشد كنعان في حديثه حركة حماس وكتائب القسام بأن يتم طرح قضيتهم في أي مفاوضات تتعلق بالجنود الاسرائيليين الأسرى في غزة، كي يتمكن وغيره من المبعدين الالتقاء بذويهم بعد سنوات طويلة من الفراق والغياب، موضحا أن عيدهم يوم عودتهم لمسقط رأسهم في بيت لحم.
وتتعمد اسرائيل في كل صفقة للإفراج عن أسرى لديها، إبعاد العشرات من الأسرى الذين تفرج عنهم، حيث أبعدت في صفقة وفاء الأحرار الأخيرة أكثر من 165 أسيرًا من أهالي الضفة إلى غزة، و10 أسرى إلى تركيا، و16 أسيرًا إلى دمشق، فيما أبعدت الى قطر 15 أسيرًا.

