لم يتوقف الأمر عند إغلاق المعابر ومنع دخول المواد الخام وتسير الحصار بمفرداته المتعارف عليها، فقد تجاوز الامر حد منع المرضى من ممارسة حقهم في العلاج داخل الأراضي المحتلة، فأصبحت السلطة الفلسطينية تغامر بحياة المرضى وتعريض حياتهم الهالكة للموت البطيء قرباناً لإرضاء الكيان الإسرائيلي والذي لم يتجرأ بعد على تنفيذ تلك الخطوة، فكانت السلطة الفلسطينية في الضفة المحتلة سبّاقة.
الطفل يوسف الأغا الذي لم يتعدَ الثالثة من عمره، يوشك أن يكون في عامه الأخير في هذه الحياة إذا لم يستطع الحصول على تحويلة طبية للعلاج بالخارج.
يوسف، ذو الوجه الطفولي والجسد المنهك الممدد على سرير العناية المركزة في مستشفى الرنتيسي للأطفال ، يوسف يعاني من مرض (متلازمة تكسر الدم الكلوي) الذي تسبب له بالفشل الكلوي وجعله بحاجة ماسة إلى غسيل الكلى و العديد من الفحوصات و العلاجات غير المتوفرة في قطاع غزة.
منذ حوالي شهر، تقدم المستشفى بطلب تحويلة طبية عاجلة للطفل الأغا للعلاج خارج القطاع إلا أنه لم يحصل عليها حتى الآن، رغم أن تقاريره تؤكد أن وضعه حرج جداً وأن عامل الزمن مهم جداً لإنقاذه.
مدير مستشفى الرنتيسي التخصصي للأطفال، الدكتور محمد أبو سلمية يؤكد أن الطفل الأغا في وضع حرج للغاية قد يتسبب في مفارقته للحياة في أي لحظة وهو بحاجة إلى السفر فوراً لإنقاذ حياته وإعادته لطفولته التي لم يستطع أن ينعم بها بسبب المرض وبسبب التأخير في العلاج الذي يزيد الوضع سوءاً.
حياة يوسف على المحك، تتنظر من يرأف بجسده النحيل ويستجيب لدموع وصرخات ذويه الذين يحاولون الحصول على التحويلة الطبية لإنقاذ حياة طفلهم الصغير.
تهديد بالموت
وزارة الصحة وعلى لسان ناطقها في قطاع غزة أشرف القدرة، قال إن حياة مئات المرضى باتت مهددة بالموت جراء عدم استجابة الوزارة في رام الله لسفر مرضى السرطان للعلاج في الضفة الغربية والداخل المحتل.
وأشار القدرة إلى هناك أكثر من 1500 تحويلة طبية تم إرسالها مؤخرًا للوزارة في رام الله للموافقة عليها لسفرها للعلاج، إلا أنه لم يتم التوقيع عليها، دون إبداء أي أسباب.
وأضاف: "إن جل هذه التحويلات لمرضى السرطان والأمراض الخطيرة الذين من الممكن أن يتوفوا في أي وقت مثلمًا حصل مع المريض وحيد العرييني الذي توفي قبل عدة أيام، وإن بعضها مرسل منذ شهرين".
ونوه إلى أن وزارة الصحة في رام الله نزعت الصلاحيات من دائرتها في غزة (دائرة العلاج في الخارج) وحولتها إلى سكرتاريا فقط.
واستنكر ما وصفها بـ"المقامرة" بحياة المرضى من خلال وقف توريد الأدوية والمستلزمات الطبية ومصادرة حقهم في الحصول على التحويلات العلاجية بشكل متعمد.
واعتبر ذلك بمثابة جريمة بحق شعبنا الفلسطيني بكامله ويتوجب محاسبة مقترفيها دون استثناء على المستوى الوطني والدولي لما تسببه من وفاة عدد من المرضى بسبب عدم إتاحة الفرصة لهم بالعلاج في الوقت المناسب مما يزيدنا قلقًا على آلاف المرضى بغزة.
وأوضح القدرة أنهم طالبوا كل الجهات المحلية والدولية بما فيها الفصائل الفلسطينية التدخل من أجل إنهاء معاناة المرضى المحولين للعلاج في الخارج.
ودعا إلى تحرك جماهيري وشعبي من أجل إنقاذ حياة هؤلاء المرضى الذين يموتون أمام أعينهم دون منحهم الحق في العلاج من قبل وزارة الصحة في رام الله.
وقال: "إن ما تمارسه صحة رام الله من قرصنة الحقوق العلاجية لمرضى قطاع غزة من الأدوية والمستهلكات الطبية وإهمال متعمد لمئات التحويلات العلاجية دون أن تأبه لمعاناتهم وأوضاعهم الصحية المتفاقمة يعتبر حكم إعدام بحق هؤلاء المرضى".
1720 مريض
من جانبه؛ طالب مركز الميزان لحقوق الإنسان السلطة الفلسطينية والجهات المختصة بالعمل على تسريع معاملات مرضى العلاج بالخارج، مستنكرًا تأخير الرد على طلبات علاجهم.
وأفاد المركز في بيان له بأنه تلقى شكاوى تقدم بها عدد من المرضى ممن هم في حاجة لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، وأفادوا بأنهم لم يتلقوا ردًا على الطلبات التي تقدموا بها لدى دائرة العلاج في الخارج.
وأضاف "أنه وفي إطار متابعة المركز لهذه الحالات ووفقًا لمصادر في وزارة الصحة في غزة، فإنه وخلال مارس وأبريل من العام الحالي 2017، تقلصت نسبة عدم الرد على طلبات المواطنين المرضى لما يزيد عن 30%، وبشكل تراكمي بلغت نسبة عدم الرد 50% في شهر مايو، لتصل إلى نسبة 87% منذ بداية شهر يونيو الحالي وحتى الآن".
وأشار إلى أن المريض يتقدم بطلب الحصول على تحويلة للعلاج لدى دائرة العلاج في الخارج التي تتبع وزارة الصحة الفلسطينية، وفي أغلب الأحيان يأتي الرد بعد عدة أيام ويكون بالإيجاب خاصة للحالات الخطيرة مثل مرضى السرطان والأمراض الأخرى التي تتهدد الحياة.
وبحسب المركز، فإنه ومنذ آذار/ مارس الماضي يتقدم المرضى بطلب الحصول على الموافقة ولا ترد وزارة الصحة على هذه الطلبات لا بالرفض ولا بالقبول، ليصل عدد المرضى الذين لم يتم الرد على طلباتهم لما يزيد عن 1720 مريضًا.
وشدد المركز في مطالبته السلطة بسرعة انجاز معاملات المرضى، "لأن الوقت يعني حياة بالنسبة لهم، وفحص الأسباب التي تسببت في هذا التأخير الذي سيؤثر سلبياً على الحالة الطبية لمئات المرضى، ومعاقبة المسئولين عنه بموجب القانون".
ودعا إلى تجنيب خدمات الرعاية الصحية ولاسيما المرضى الذين يحتاجون للعلاج في الخارج، وغيرها من القضايا الإنسانية التي تمس بحياة البشر أي صراعات سياسية.
وطالب المركز المجتمع الدولي بضرورة الوفاء بالتزاماته القانونية والأخلاقية، والتحرك العاجل والفاعل لإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة.
يذكر أن وزارة الصحة في رام الله ترفض منذ أكثر من شهرين إرسال حصة قطاع غزة من الأدوية التي تصل لمخازنها من قبل الدولة المانحة، لا سيما أدوية مرضى السرطان وبعض الأمراض الخطيرة ومرتفعة الثمن.

