تفوح الروائح من نوافذ البيوت المتقاربة، وتخبر بأن هناك ضيف حبيب على الأبواب، ضيف مقرّب من الصغار وهدية للكبار، منعش النساء وراسم الفرحة والبهجة على الوجوه وفي القلوب دون تفريق، فكم من الصغار يزداد شغف انتظاره للعيد مع اقتراب كعك أمهاتهم للنضوج.
فمع مشارفة الثلث الأخير من شهر رمضان المبارك على الانتهاء، تبدأ الأمهات بتجهز كعك العيد "الوجبة" التي بحضورها يستغني الأطفال عن وجبات الطعام الرسمية، فيتشاركون في صناعة التمر وتحوليه إلى شكل كرات صغيرة تستعمل كحشوة رسمية لحبات المعمول والكعك.
وللكعك والمعمول بهجة خاصة لاستقبال عيد الفطر بعد شهر من الصيام والقيام، فلا يستطعم الصائمون بعيد الفطر إلا بتصدر أطباق الكعك والمعمول موائد الضيافة بجانب القهوة السادة، كحلوى رسمية للعيد.
بين الجيران
رغم اندثار العادة بين الناس في تبادل أطباق المأكولات الشعبية كما في سابق الزمن، إلا أن أطباق المعمول والكعك لا زالت تحافظ على هذا الموروث الاخلاقي والعلاقتي بين الجيران، وبين الأقارب والاحباب.
فكم من السرور والبهجة يُدخله طبق الكعك والمعمول إلى البيت الذي ينشر فيها روائحه، فمجرد توزيع أطباق الكعك على الجيران المقربين، يعني توزيع البهجة وفرحة العيد ورائحته للبيوت وأصحابها.
فما تلبث الرائحة تنضج مع تحول لون حبات الكعك إلى اللون الذهبي، حتى ينشغل الأطفال في تخمين صاحب البيت الذي يغامر وينشر عبق المعمول في هذه الأوقات، حيث الصيام وجوع صوم العصافير من الأطفال.
إلا أن العيد بطبق المعمول يعيد إحياء وإنعاش العلاقات بين الجيران، ويعيد الحب والبهجة في القلوب.
مشاريع صغيرة
"الكل يطلب الكعك، ويريده طازجا" هكذا تصف أم محمد أبو سمعان 50 عاماً ضغط العمل مع اقتراب العيد، لتكون فرصة لها ولعاملاتها لتحسين أوضاعهن المادي في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها مواطنو قطاع غزة المحاصرة منذ أكثر من أحد عشر عاما.
تسابق أم محمد الزمن برفقة النساء العاملات في بيتها حسب الكميات التي طلبها الزبائن منها مع انتصاف شهر رمضان، "بدأت صنع الكعك المنزلي للزبائن قبل 6 سنوات بدعم معنوي من صديقة لي بسبب تدهور وضعي الاقتصادي، ولتميزي في صنع الكعك والمعمول، وفعلاً استجبت للنصيحة".
تلتقط أنفاسها من عناء الخبز وتبتسم: "لا أنسى فضل أمي علي، هي من علمتني صناعة الكعك، والدتي كانت تخبز لكل الحارة".
في إحدي زوايا البيت تجلس رحاب خضر(53)عاما من سكان مخيم جباليا بجوار زميلاتها اللواتي ينقشن الكعك والمعمول ويضعنه في الصواني، تقول بفرح وهي تواصل العمل :"الحمد الله تعرفت على “أم محمود"، التي شجعتني على المجيء، وأنا أعيل أسرتي “.
بجوارها تمدح شيرين الدنف (23)عاما إحدى زميلاتها" يا رب ما نعدم هاليدين الحلوات زي المكينة بتنقش".
أما نسمة أبو سمعان فتسارع بالقول وهي أيضاً معيلة لأسرتها :"الفضل لأم محمود في احترافنا للعمل، في البدء كنا بطيئات، لكن بصبرها وصلنا لهذه المرحلة".
ما بين فرحة العيد والدخل الذي توفره هذه المشاريع الصغيرة، تثبت المرأة الفلسطينية قدرتها على صياغة نظرية الاقتصاد الخاصة التي تخرجها من حلق الضيق إلى واسع الطريق، رغم كل المعوقات، لكن الإرادة والاستفادة من المهارات الشخصية تصنع كل شيء.
وعلى الرغم من أن الكعك والمعمول يباعا جاهزاً في المخابز إلا أن بعض الأسر تعده في البيت، لأن صناعته داخل البيوت تبقى ذات نكهة وبهجة مختلفة، ولا سيما وأنه يعتبر من أجمل وأهم الطقوس المميزة لاستقبال عيد الفطر المبارك لدى الصغار والكبار.
يقال أن الفراعنة هم أول من عرفوا صناعة الكعك وقد سموه "القرص" ، حيث كان الخبازون يصنعونه بأشكال مختلفة، وصلت إلى 100 شكل، وفي التاريخ الإسلامي يرجع الكعك إلى عهد الطولونيين حيث أنهم كانوا يصنعونه بقوالب مكتوب عليها “كل واشكر"، ثم أخذ مكانة متميزة في عهد الإخشيديين ثم بمرور الوقت أصبح موروث عربي وإسلامي في عيد الفطر بلا منازع.

