لم تتوان سلطة رام الله في تسليط سيفها الحاد على رقاب الضعفاء والغلابة والمرضى في قطاع غزة، بل وصل الأمر إلى منع التحويلات الطبية للخارج من أجل إتمام علاج الآلاف من المرضى الذين أصبحوا في الرمق الأخير.
هذا الأمر وتحكم رام الله في حاجات غزة يستدعي ضرورة إقامة مشفى بغزة لعلاج مرضى السرطان والأورام الخبيثة، خاصة في ظل ازدياد أعداد المرضى المصابين بالمرض، وتأخرهم في معرفة إصابتهم بالمرض بسبب عدم وجود الامكانيات المتاحة والكفاءات والأجهزة الطبية الحديثة بالقطاع المحاصر.
شفيت ولكن؟
الصحفي رائد حماد، كان أحد المرضى الذين عانوا نتيجة معرفتهم المتأخرة بالإصابة بمرض السرطان اللعين، ولم يكن باستطاعته السفر خارج غزة من أجل العلاج بسبب الظروف السيئة التي يمر بها القطاع المحاصر، وإغلاق معبر رفح بشكل متواصل.
يقول حماد في حديث للرأي:" نحن بحاجة ماسة إلى مستشفى خاص بأمراض السرطان، مجهز بكافة الأجهزة لتشخيص الأورام السرطانية واكتشافها مبكرا، وتوفير الأدوية الازمة لهم، ومن خلال تجربتي ومعاناتي مع مرض السرطان، حيث تم استكشاف سرطان الكلية عندي متأخرا نظرا لعدم وجود أجهزة متقدمة في ظل الحصار، مما نتج عنه استئصال الكلية اليمنى المصابة بالسرطان."
وكان الشاب الأربعيني يعاني من ألام متواصلة ونخز أسفل الظهر من ناحية الكلى، فاضطر للذهاب إلى المستشفى، ولم يكن يحصل إلا على محلول مسكن، ومع تناول بعض الأدوية كان يزول الوجع، ولكن مع الوقت ازداد الوجع بشكل غير طبيعي، ولم يخطر في باله أنها أعراض سرطان.
ومع تكرار الوجع وشعوره بالمغص الشديد، ذهب الصحفي حماد إلى المستشفى وقام بإجراء تحاليل دم أظهرت عنده وجود دم في البول بشكل مرتفع، بعدها أجروا له صورة أشعة ظهر بها كيس فوق الكلى اليمنى ولكن غير واضح، وهو ما اضطر الأطباء بعدها لتحويله إلى مستشفى الأوروبي جنوب غزة لعمل صورة رنين مغناطيسي، حينها اكتشفوا أنه يعاني من سرطان بالكلية اليمنى .
وبمساعدة الأقارب والأحبة تم تجميع المبلغ المطلوب لإجراء عملية كبرى لاستئصال الورم في في الكلية المصابة بالسرطان، حيث يتابع حماد في قسم الأورام في مستشفى الأوروبي كل شهرين لمتابعة وظائف الكلى وفحص الدم، في وقت ممنوع من العديد من الأطعمة والمشروبات التي ترهق الكلى .
ويطالب الصحفي حماد بضرورة تسليط الضوء إعلاميا، وفتح قنوات مع محبي القضية الفلسطينية في العالم لدعم وحماية مرضى السرطان من الموت المحقق في ظل منع التحويلات الطبية للخارج.
ليس الشاب حماد فقط هو الذي يعاني نتيجة معرفته المتأخرة بإصابته بمرض السرطان، حيث يعاني أبو صهيب فلفل من معرفته المتأخرة بإصابته بالسرطان في المستقيم، وجاءت معرفته عقب ست سنوات من الإصابة بالمرض.
وعن معرفته المتأخرة بالمرض الخبيث، يقول فلفل في حديث للرأي:" كنت أشعر بألم واعتقدت أنني أعاني من مرض البواسير وذهبت للمشفى الأهلى العربي لإجراء عملية، وفعلا قمت بإجرائها، ولكن اكتشف الأطباء بعدها أنني أعاني من ورم بسيط في المستقيم".
علاج ذاتي
وعقب اكتشافه المرض، حصل المريض فلفل على تحويلة للعلاج في مصر، ولكن لم يحصل على إذن بالسفر إلا عقب ثلاثة شهور من حصوله على التحويلة بسبب اغلاق معبر رفح البري، في وقت كان المرض قد ذبحه من شدة الألم بسبب تناوله للعلاج الكيماوي في المستشفى الأوروبي بغزة.
وخلال فتح معبر رفح، حصل فلفل على 28 جلسة للعلاج في مصر بمعهد ناصر ولكن بدون فائدة، ثم اضطر للعلاج في الأردن الشقيق ولكن أيضا بدون نتائج ايجابية، فقد ما حصل عليه هو مجرد تحاليل وأشعات وصور لمدة 86 يوما.
وعلى عكس غيره من المرضى، لم يصاب أبو صهيب باليأس بل أصر على علاج نفسه بنفسه من المرض اللعين، حيث استمر على العلاج بالتوازن في حياته العملية وتناوله للوجبات، وعندما لم يجد فائدة وجدوى من العلاج، أصر على عدم تناول أشياء مالحة والابتعاد عن السكر ومشتقات السمن والمواد المصنعة والمياه الغازية واللحوم الدهنية، ويتناول الأكل المثبط للخلايا السرطانية مثل البيض وزيت الزيتون وغيره من الأكلات التي تقتل مرضه الخبيث.
وفي آخر احصائية لوزارة الصحة، فقد وصل أعداد المصابين بمرض السرطان في غزة من العام 2009 وحتى 2014 (7400 حالة)، في حين بلغ عددهم في العام 2014 فقط 1502 حالة، أي ما يمثل 83.9 لكل مئة الف نسمة .
بانتظار رصاصة الرحمة
من جهته يوضح الدكتور ثروت الحلو رئيس مستشفى الحلو الدولي، أنه يسعى وبشكل حثيث منذ أكثر من سبعة أشهر للحصول على ترخيص لمشفى لعلاج مرضى السرطان والأورام بغزة، وبتمويل ذاتي ودون أي شراكة أو دعم من أي مؤسسة.
ويقول الحلو في حديث للرأي:" لا زلنا بانتظار الحصول على ترخيص للمشفى، بالرغم من أن المرافق جاهزة وأيضا الأطباء والكفاءات والكوادر الفنية والطبية جاهزة أيضا"، مؤكدا أن سبب فشل تجهيز المشفى هو أن الخبراء الأمريكان كانوا يخشون دخول قطاع غزة كونهم محظورين من ذلك.
وتصل خسائر مستشفى الحلو نتيجة التأخير في الحصول على ترخيص وإدخال الكفاءات والأجهزة اللازمة إلى مليون و400 ألف، في حين يتردد البنك في تمويل إقامة المشفى بغزة بالرغم من حصوله على ضمانات، وفق ما ذكره الحلو.
ويشير الدكتور الحلو الى ان المستشفى في حال عمله، سيعمل على الاستعانة بخبرات تتمتع بكفاءة وخبرة عالية من الخار، لكن جاءت الرياح بما لا تشتهيه السفن، وأنه لا يزال العمل جاريا في هذا الموضوع.
الإمكانيات ضعيفة
وعن دور وزارة الصحة الفلسطينية بغزة في دعم إقامة مستشفى خاصة بمرضى السرطان، يقول أيمن السحباني رئيس قسم الاستقبال والطوارئ بمجمع الشفاء الطبي:" إن إقامة مشفى بغزة هو ضرورة ملحة للغاية خاصة في ظل تزايد أعداد المصابين بالأورام السرطانية، لكن الامكانيات لا تفى بذلك، وخاصة أن إنشاء مشفى خاص لعلاج مرضى السرطان يحتاج لتمويل كبير".
ووفق ما ذكره في حديثه للرأي، فإن مستشفى الشفاء والولادة وقسم الباطنية يحتاجان لإعادة تأهيل وترميم، ولكن المجمع يعاني من التضييق بسبب ضعف التمويل، موضحا أن قسم مرضى السرطان والأورام بمشفى الشفاء يقوم بواجبه على أكمل وجه.
ويتركز دور الأطباء في مشفى الشفاء بقسم الأورام السرطانية على إجراء العمليات العاجلة ومتابعة المرضى، وتوفير الصور الاشعاعية وتوفير الجرعات الكيماوية لهم، في وقت يوجد هناك كوادر طبية وكفاءات للتعامل مع المرضى، لكن الأغلب يحتاجون للعلاج بالخارج بسبب نفاذ بعض الأدوية اللازمة.
هذا ولا يزال الالاف من المرضى المصابين بالسرطان اللعين يعانون جراء سياسة العقاب الجماعي الذي تمارسه سلطة رام الله من تضييق وحصار خانق، ومنع التحويلات الطبية للعلاج بالخارج في محاولة للضغط على حركة حماس.
وتحتجز رام الله تحويلات 2500 مريض في مقبرة الأرقام لدى دائرة العلاج بالخارج بانتظار توقيع مسيّس.

