فلنعد بالذاكرة المكتظة بالأحداث المتسارعة إلى الوراء، فلنرجع في الشريط إلى مشاهد لا يمكن أن تدخل إلى عالم النسيان، حزمة من سنوات مضت لكنها لا يمكن أن تمحي وجعاً عاش عقدا كاملا من الزمن ولا زال جرحاً غائراً لم يندمل.
عن قصة الطفلة التي أصيبت بالجنون والتخبط، حين اختطفت الطائرات الحربية منها أبيها في رحلة بحرية قصيرة، عن ذاك الاسم الذي حفر في ذاكرة الأطفال قبل الكبار، عن الصوت الذي لا زال صداه يتردد في الآذان، عن قلب "هدى غالية" الذي تمزق وجعا وهي تجري على شاطئ البحر وتنادي "يابااا ..بدي أبويا".
محامية قانونية
اثني عشر عاماً انقضت على الفتاة الجامعية التي كانت تدعى بالطفلة "هدى غالية"، حزمة من السنوات المكتظة بكارثية الصدمة، والحجم الفادح للجرح النازف بقلبها، إلا أن خطواتها الأخيرة من على مسرح الخريجين قالت بأنها تلك الفلسطينية التي يصعب كسرها، وأثبتت أنها بكل ما تملك من عقل وروح وإمكانيات ستنجح رغماً عن أنف قاتلي أبيها وإخوتها الصغار.
هدى غالية تخرجت من الجامعة الإسلامية من كلية الشريعة والقانون، لتصبح محامية ،تقاضي الاحتلال الإسرائيلي على ما اقترفه من جريمة بشعة استهدف خلالها أبيها وأشقائها وزوجة أبيها بينما كانوا في رحلة بحرية قبل اثني عشر عاما، لكن هدى ترفض الظهور على وسائل الإعلام.
فهي مازالت تعاني حتى يومنا هذا من آثار الصدمة، فالذهول يلفها لهول المجزرة التي جرت معها، واختطفت المقربين إلى قلبها، وها هي اليوم توفي بوعدها، بأول خطوة على طريق تحقيق العدالة، تخرجها من الجامعة.
هدى غالية حملت على عاتقها عهدا يوم أن أنهت مرحلة الثانوية العامة بأن تدرس التخصص الذي ستقف خلالها كمحامية لتقاضي قاتل أبيها وإخوتها الصغار.
شاطئ البحر سبّب لهدى وأمها أزمة نفسية لا زالت جذورها قائمة في نفسيهما، فلا يمكن لمضي اثني عشر عاماً أن يقضي على الحادثة المريرة التي حدثت لهدى، فلم ينكسر حاجز الصدمة وهول المشهد في ذاكرة هدى وأمها التي أصيبت خلال الحادثة آنذاك.
مراسلة صحفية
وعن قصة تحدٍ أخرى، من على مسرح التخرج لصيف 2017، تقدمت الخريجة جميلة الهباش بلا أقدم، تقود على كرسيها المتحرك، اعتلت منصة التخرج وكلها تحدٍ مفعم بالطموح والأمل بتحقيق حلمها الذي لا يتماشى مع وضعها الصحي.
بعد أن فقدت الخريجة جميلة الهباش أقدامها في حرب 2008، أخبرت وسائل الإعلام بأنها تطمح لأن تصبح مراسلة لقناة الجزيرة القطرية، ويبدو أنها حملت حلمها على محمل الجد لتحقيقه رغماً عن ظروف أقدامها ووضعها النفسي المرير.
وليس انتهاءً بالشابة جميلة الهباش التي بترت قدماها في عدوان عام 2008، وأبت إلا أن تحقق حلمها فدرست الصحافة والإعلام وتميزت فيها وتخرجت من جامعة الأقصى، حلمة بعمل يليق بحلمها.
وفي أشد أوقات جميلة ضيقاً وصعوبة وقت أن أصيبت فيها وبترت أقدامها، واستشهدت أختها جليلة وابن عمها خلال قصف لمنزلهم في حي التفاح في غزة بترت قدماها، قالت بطفولة مذهلة :"سأحسبكم بنفسي وأدرس تخصص الصحافة والإعلام، رغما عن الصواريخ وعن طائرات الاحتلال وعن همجية وغطرسة وجبروت هذا المحتل الغاشم".
لم تلتفت أنذاك لجرحها النازف، ولم يكسر همتها بتر كلتا قدميها، ووقفت على أطرافها الصناعية ناجحة عنيدة وأكثر قوة من زمن مضى، لتعلن بأنها ستخوض مرحلة جديدة مفعمة بالنجاح وأكثر تميزاً.

