أودعوا أباهم بالأمنيات والأحلام البريئة، وحملوه أمانة أن يعود لهم مسرعا كما خرج، بضع ألعاب مثيرة وعباءات تناسب أعمارهم الصغيرة لتبقى كهدية من بلاد الحرمين، وأخيراً طلبوا منه أن يحضر لهم شيئا من ماء زمزم ليضعوا أيديهم الصغيرة عليه ويضمروا في صدورهم دعاء عله يجاب.
على عجل سارت مراسم وداع الحاج الأربعيني عبد القادر قشطة بأطفاله الأربعة بعناق مقتضب، ليلحق بركب الحجيج من ذوي الشهداء، والذين خرجوا بمكرمة ملكية من خادم الحرمين الشريفين.
في السابع والعشرين من شهر أغسطس انقلبت موازين البهجة إلى بؤس، وتحولت الدموع من وداع إلى فراق مجهول، وتحولت مؤشرات الحجيج من ذوي الشهداء عن مسارها الصحيح، وذلك حين داهمت قوة مسلحة من الجهات المصرية حافلة تقل حجاج المكرمة السعودية.
خمسة عشر يوماً انقضت بين طواف حجيج المكرمة السعودية وبين اختفاء الحاج عبد القادر قشطة، حتى أن تلك المدة انقضت وعاد الحجاج إلى بيوتهم سالمين عدا عن والد الأطفال الأربعة، فكان غيابه كفيلا بأن يفتح بيته لاستقبال المواسين باختفائه بدلاً من تهنئته بالسلامة.
طعنة غدر
زوجة المختطف عبد القادر قشطة والذي انضم لركب المختطفين الأربعة منذ عامين، وصفت اختطاف زوجها وهو في طريقه لتأدية مناسك الحج، وفي أكثر الظروف التي يفترض أن تكون آمنة على أرواح المسافرين عبر الأراضي المصرية لهي طعنة غدر تلقاها زوجها وعائلتها، فضلا عن والدته التي كانت ترافقه في ذات الرحلة.
وقالت أم محمد الذي لم يتجاوز ابنها الأكبر سن العاشرة، أن وزوجها وأطفالها دخلوا دولة مصر مرات عديدة بطريقة رسمية، ولم يتم التعرض لهم بأي طريقة، متسائلة: "ما هو الجرم الذي ارتكبه زوجي ليتم اختطافه بهذه الطريقة؟".
وبلهفة الفاقد تحدثت قشطة أن حجاج المكرمة عادوا إلى قطاع غزة، دون زوجي، الأمر الذي شكل صدمة لأطفالي الأربعة الذين ينتظرون عودته بشوق ولهفة، إلا أن أطفاله لا يعوون استمرار غياب والدهم بطريقة مجهولة دون الطمأنة عليه ولو بتصريح يفيد بأنه بخير.
وشكلت حادثة توقيف عناصر من الجيش المصري الحافلة التي تقل الحاج قشطة (41عاما) على أحد حواجز مدينة الشيخ زويد قبل اعتقاله، صدمة لوالدته التي بكت وتوسلت وصرخت دون استجابة.
ومضت والدته المسنة التي خرجت برفقة نجلها من قطاع غزة عبر معبر رفح البري للديار الحجازية لأداء مناسك الحج، ضمن مكرمة خادم الحرمين الشريفين لذوي الشهداء، وحدها ملبية، والحسرة تنخر جسدها لفقدانه.
وقطعت والدته على نفسها وعدا بألا تعود لأحفادها الأربعة دون والدهم، لكن حالتها الصحية السيئة ربما تفرض عليها العودة دونه مضطرة، كونها وحدها دون مرافق، إلا أن تدهور وضعها الصحي آل دون عودتها وبقائها في مشافي السعودية.
تأخر الحاج عبدالقادر عن أطفاله الذي كان بين ركب الحجيج دفعهم للبقاء في البيت دون الاحتفاء بقدوم عامهم الدراسي الجديد، الأمر الذي أحبط نفوسهم الصغيرة وأعادهم إلى زوايا البيت الممتلئ بالدموع الحارقة.
العائلة لم تتلق أي معلومات عن شقيقه عبد القادر، حول مكانه أو مصيره، سوى المعلومات الأولية لحظة حادثة الاختطاف بأن الجيش المصري هو من اعتقله على مرأى ومسمع الحجاج المسافرين لأداء مناسك الحج عبر الأراضي المصرية.
تختنق العبرات وتضيق الأرض ذرعا بزوجة الحاج المختطف لدى الجيش المصري عبد القادر قشطة، وأطفاله الأربعة، الذين ينتظرون عودته إلى منزلهم بحي البرازيل بمحافظة رفح جنوب قطاع غزة.
ولم يستطع أطفال عائلة قشطة من الكتابة على جدران بيتهم بتهنئة حجيجهم بعودتهم من الديار الحجازية بسلامة، ولم يتمكنوا من صنع مراسم الابتهاج بعبارات "حج مبرور ، وسعي مشكور" باختطاف البهجة من عيون صغارهم والكبار.

