على مقصلة الملاحقة والمطاردة والسجن الفعلي؛ تنتظر طوابير الإعلاميين والصحفيين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي أدوارهم للمرور من حلقات العقاب البدني بكل هدوء وعلى الطريقة الجديدة التي ابتدعتها السلطة الفلسطينية من خلال إقرارها لقانون الجرائم الإلكترونية الذي أثار سخطا شديدا فور إقراره من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
حالة من الحنق والتخوّف والجدل الكبير تسود بين الأوساط الإعلامية والصحفية بسبب القانون المذكور الذي يُخبّئ العصي في الدواليب من خلال 61 مادة جاءت في 31 صفحة نشرتها في جريدة الوقائع الفلسطينية، تبدأ بتعريف كلمات وعبارات، وتنتهي بإلزام الجهات المختصة بتطبيق القانون فور نشره بجريدة الوقائع الفلسطينية الجريدة الرسمية للسلطة الفلسطينية وهو ما نشرته فعليا، ليصبح ربما القانون الأسوأ في تاريخ السلطة الفلسطينية، وبات ساري المفعول منذ يوليو/ تموز الماضي.
مراقبة وتنصّت وتخزين بيانات
ويحمل القانون بين طياته العديد من المواد التي تعدّ مخالفة تماما للقانون الفلسطيني، وتعمل على تقييد حرية الرأي والتعبير وتكبيل الحريات العامة وملاحقة الصحفيين والإعلاميين ونشطاء التواصل الاجتماعي ويصل الأمر إلى اعتقالهم وسجنهم والحكم عليهم.
ومن بين أبرز ما جاء في قانون الجرائم الالكترونية، تشريع مراقبة كل ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية، كما ويتيح مراقبة المستخدمين والتنصت عليهم وتخزين بياناتهم كاملة لمدة 3 سنوات، كما وفرض القانون المذكور على الشركات المزودة للإنترنت التعاون مع الجهات الأمنية للوصول إلى بيانات المستخدمين.
إغلاق مواقع واعتقال صحفيين
وفور إقرار القانون فقد أغلقت السلطة الفلسطينية العشرات من المواقع الإلكترونية الفلسطينية والإخبارية منها على وجه الخصوص، فيما اعتقلت على مدار الأشهر الماضية العديد من الإعلاميين والناشطين العاملين في الحقل الإعلامي من وكالات ومحطات إعلامية مختلفة، بتهم "تسريب معلومات لجهات معادية، والإضرار بالأمن المحلي العام"، في خطوة تأتي انتهاكا صارخا للقانون الفلسطيني العام.
ويحمل قانون الجرائم الالكترونية في طياته إشكالية في المصطلحات المستخدمة كونها فضفاضة وتحتمل أكثر من تفسير وتأويل، وهذا ما يتنافى ويتعارض مع مبادئ سن قوانين التجريم الدولية.
كما وكانت مخابرات السلطة الفلسطينية قد اعتقلت 5 صحفيين على خلفية القانون الجديد، وهم: طارق أبو زيد، أحمد حلايقة، ممدوح حمامرة، قتيبة عازم، عامر أبو عرفة، ثم اعتقلت صحفيين آخرين وهم: ثائر الفاخوري وشادي بداونة، إضافة إلى المدون والناشط على مواقع التواصل الاجتماعي المهندس فهد شاهين.
تكبيل حرية التعبير
وتعقيبا على القانون؛ يقول المدون على مواقع التواصل الاجتماعي فخر الرنتيسي من رام الله في حديث لـ"الرأي": "إن قانون الجرائم الإلكترونية أولا تسميته لا تعبر عن المقصود أو المنشود من سنّه، فالغالبية العظمى تعلم أن هذا القانون أقر لتكبيل حرية التعبير، وتقسيم الجمهور إلى فئتين، فئة صامتة، وفئة تُطبّل لصانع القرار بعيدا عن الانتقاد الذي هو أحد أشكال المساءلة المجتمعية".
ويضيف "القانون واسع، ويفتح الباب أمام تكبيل حرية التعبير والمساءلة المجتمعية لصناع القرار والمسؤولين، فعلى سبيل المثال لن يسمح القانون بانتقاد مسؤول أساء استخدام المال العام، أو أساء استخدام المنصب في تحقيق غايات شخصية "جريمة"، بالإضافة إلى حجب الجمهور عن التعبير عن موقفه من تلك المواقف وكذلك من القرارات المصيرية التي تنتظر الشعب الفلسطيني.
ويردف المدون الرنتيسي قائلا: "من الممكن جداً أن يتم تبرير الاعتقال على خلفية سياسية بالتذرع بهذا القانون"، موضحا أن قانون الجرائم اذا تكاتفت كل فئات المجتمع من نقابات ومجتمع مدني وقضاة وفصائل فلن يمر هذا القرار.
مخاطر على الصحفيين
وحول خطورة هذا القرار يقول صالح المصري منسق لجنة دعم الصحفيين لـ"الرأي": "إن العديد من المواد التي تضمنها القانون أثارت بعض علامات الاستفهام حول مضمونها وما تحمله من إمكانية التأويل المتعدد، ما يضع الصحفيين والنشطاء والمهتمين بالشأن العام تحت مقصلة تفسيرات السلطة الفلسطينية حسب مزاجها العام من جانب وموقفها من الصحفي أو الناشط من جانب آخر".
ويؤكد الإعلامي المصري أن هناك بعض المخاطر على الإعلاميين والنشطاء وردت في عدة مواد من قانون الجرائم الالكترونية أبرزها المادة (20) من القانون، وهي من أكثر المواد التي أثارت حفيظة الجميع، كونها لا تحمل اختصاصات واضحة، ولا جرائم محددة يمكن اعتبارها كمرجعية حال تعرض الصحفي للتوقيف.
ويطالب المصري بإلغاء قانون الجرائم الالكترونية كونه يتجاوز كثيراً حدود ما يسمى الجرائم الإلكترونية ليضيف ويعدد جرائم عادية، دون وعي أو إدراك في جميع المجالات وهذا الأمر غير دستوري، منوها أن القانون مليء بالعبارات غير الدستورية والتي درج العالم الحديث على إزالتها من القوانين المعمول بها.
وتعتبر إجراءات إصدار القانون غير طبيعية ولَم تصل حد الاجراءات الاستثنائية بل تجاوزتها لتصل حد إجراءات الغدر قبل منتصف الليل، على حد تعبير منسق لجنة دعم الصحفيين.
مؤسسات وهيئات تنادي بإلغائه
وفي إطار مواجهة القانون؛ فقد عمدت العديد من المؤسسات الأهلية والنقابية بتوجيه الانتقاد الفعلي للقانون مطالبين بإلغائه وعدم تطبيقه على اعتبارات كثيرة من بينها مخالفته للقانون الفلسطيني العام وعدم مروره من الحلقات الشرعية لاتخاذ القانون في المجتمع الفلسطيني.
فعلى سبيل المثال أطلقت مؤسسة أمان وبالتعاون مع مجموعة من المؤسسات الحقوقية حملة إلكترونية جاءت على الوسم #قانون_الجرائم_جريمة ووسم #احبسونا حيث يأتي ذلك في إطار التعبير عن رفض القانون، مع التعبير على ضرورة إلغاء القانون ليتم استبداله لسن قانون جديد يؤمن حرية الرأي والتعبير، ويحترم الخصوصية ويكون مبني على أساس لا يمكن تفسيره وتأويله بحسب الدوافع الشخصية.
وخلال الفترة الماضية فقد كان ائتلاف أمان جزء من حراك مؤسسات المجتمع المدني التي طالبت بإلغاء قانون الجرائم الإلكترونية، نظراً لما يحمله من إشكاليات تحد وتقيد حرية التعبير عن الرأي، ولما ينتهكه من خصوصية وما يشكله من عائق للوصول إلى المعلومات.
أما منتدى الإعلاميين الفلسطينيين فقد أكد هو الآخر على أن قانون الجرائم الإلكترونية هو قانون "بوليسي"، موضحا أن "أول ضحاياه هم الصحفيون ونشطاء الإعلام الجديد".
وشدد في بيان له على أن حالة الحريات والانتهاكات المتعلقة بالرأي والتعبير والعمل الإعلامي في الضفة الغربية "متردية"، مبينًا أن المصادقة والبدء بتنفيذ قانون الجرائم جاءت بقرار من رئيس السلطة محمود عباس بعيدًا عن المجلس التشريعي الفلسطيني، وهو ما يعدّ تجاوزا للقانون الفلسطيني.
وأكد أن السلطة استهدفت من خلال إقرار قانون الجرائم الإلكترونية "إرهاب الرأي العام، ومنع الحريات الصحفية، وطمس الحقيقة"، مضيفًا: "إنه نتيجة طبيعية لتفرد الرئيس بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، وتغول السلطة التنفيذية على القضائية".
وأكد المنتدى على أن "القانون يخالف المعايير الدولية الخاصة بحرية الرأي والتعبير، إلى جانب كونه مخالفا للقانون الأساسي الفلسطيني، ويؤسس لمرحلة جديدة من الانتهاكات والملاحقة واعتقال ومطاردة أي صوت مُعارض أو ناقد".
محاولات لتعديل القرار
من ناحية أخرى، بدأت وزارة العدل الفلسطينية برام الله بعقد مشاورات موسعة مع المؤسسات الرسمية الشريكة ومؤسسات المجتمع المدني، لتعديل قرار قانون الجرائم الإلكترونية بعد توصيات من رئيس الوزراء رامي الحمد الله، وبتعليمات مباشرة من وزير العدل علي أبو دياك، وذلك بفتح مزيد من الحوار والنقاش حول القانون.
وجاء ذلك خلال ورشة عمل عقدت في مقر وزارة العدل برام الله الأحد 22 أكتوبر الجاري، مع المؤسسات الرسمية الشريكة، بحضور الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في الجلسة الأولى من المشاورات التي تستمر خلال الأسبوع الجاري بمشاركة العديد من المؤسسات.
وخلص المشاركون الى أن هناك نقاط مشتركة يمكن البناء عليها للوصول لقانون معدّل لقانون الجرائم الالكترونية يضمن حماية الحقوق والحريات الأساسية ويتوافق مع التزامات دولة فلسطين بموجب الاتفاقيات والمواثيق الدولية.
وأكدت وزارة العدل أنها ستعقد عقد من اللقاءات مع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية ونقابة الصحفيين، للوصول الى قانون حول الجرائم الالكترونية يكون ناظما للفضاء الالكتروني بكل أبعاده الوطنية والرسمية وبما يضمن الحقوق والحريات العامة.
ويبقى قانون الجرائم الإلكترونية شبحا يطارد مئات الإعلاميين والصحفيين ونشطاء التواصل الاجتماعي، ويجعلهم عرضة للاعتقال اليومي والتعسفي، كما ويعدُّ أداة قاتلة لحرية الرأي والتعبير ومنتهكة لمبادئ الخصوصية التي كفلها القانون الفلسطيني العام.

