حصار بريّ وبحريّ وجويّ لأكثر من 13 سنة، مليونيّ إنسان يعيشون في أحد أضيق وأكثر المناطق اكتظاظاً في العالم، قطاع صحيّ مهترئ دمره الاحتلال، واليوم ما يقارب من 2 مليون فلسطيني معرضون فيه لخطر تفشي فيروس كورونا (كوفيد 19).
إنّه قطاع غزة المحاصر، وبوصول الفيروس إلى هذه المنطقة يتخوف البعض من أن تصبح بؤر جديدة للمرض في الشرق الأوسط، الأمر الذي وصفه مسؤولو الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني بأنه قد يكون كارثيا.
وبينما من أهم شروط الوقاية من كوفيد 19 هي غسل اليدين بالماء والصابون جيداً، تعتبر 97% من المياه في قطاع غزة غير صالحة للاستخدام بحسب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
ولا يزال الوصول إلى المياه النظيفة والكهرباء أمر شبه مستحيل في القرن الـ21 في القطاع، ما يؤثر بشدّة على توفر الخدمات الأساسية، لا سيما خدمات القطاع الصحي والمياه والصرف الصحي.
وفقاً لتقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" لعام 2019، أدى الإمداد المحدود للكهرباء في غزة إلى "الإضرار بإمدادات المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي وعمل المستشفيات".
بالإضافة إلى نفاذ 44% من الأدوية الأساسيّة، تسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية خلال انقطاع التيار الكهربائي إلى "إغلاق جزئي لعدة مستشفيات، وذلك بسبب حظر إسرائيل دخول الوقود".
وبحسب مدير عمليات الأونروا في غزة ماتياس شمالي، شهد القطاع خلال مسيرات العودة "انهياراً في القطاع الصحي خاصةً على صعيد الإستشفاء، حيث لم يكن هناك إمكانيات كافية ولا مخزون كاف من المستلزمات الطبيّة". وتأمل المنظمة بأن لا يتفشى وباء كورونا في القطاع لأنّ المستشفيات غير جاهزة لذلك>
شح في عينات الفحص
وزارة الصحة في قطاع غزة أكدت وجود "شح كبير في عينات الفحص لمرض كورونا"، داعيةً العالم أجمع إلى التحرك لـ"ضرورة رفع الحصار عن القطاع لتمكينه من مواجهة كورونا".
وبحسب "اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب"، من واجب سلطة الاحتلال أن "تعمل على صيانة المنشآت والخدمات الطبيّة والمستشفيات وكذلك الصحة العامة والشروط الصحية في الأراضي المحتلة"، والأهم أن "تضمن استخدام جميع الوسائل الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة".
لكن الاحتلال الإسرائيلي والذي لطالما نكث الاتفاقيات والمعاهدات الدوليّة، يحاصر أرضاَ يعجز قطاعها الصحيّ عن إنقاذ أبناءه، لن تأبه لتفشي أيّ وباء فيه.
وبدأت شوارع غزة تشهد انخفاضاً في الحركة، التزاماً من قبل المواطنين بالحجر الصحي المنزلي تفادياً لازدياد أعداد المصابين بالفيروس، وكإجراء وقائيّ ضروريّ.
مطالبات برفع الحصار
طالبت مؤسسات حقوقية وأهلية في قطاع غزة، ، السلطات الإسرائيلية، السماح بإدخال المستلزمات والأجهزة الطبية والأدوية اللازمة، لمواجهة فيروس "كورونا" المستجد.
وقال عمر القاروط، المدير التنفيذي لمركز حماية لحقوق الإنسان، في كلمة له نيابة عن مؤسسات حقوقية وأهلية، في مؤتمر صحفي بمدينة غزة "على سلطات الاحتلال تحمّل مسؤولياتها القانونية تجاه إمداد غزة بالمستلزمات الطبية، لمواجهة كورونا".
وبيّن القاروط أن إسرائيل ما زالت تضع "القيود أمام إدخال المستلزمات والأجهزة الطبية والأدوية، اللازمة لمنع انتشار الجائحة بالقطاع".
وطالب المجتمع الدولي، بالضغط على الجانب الإسرائيلي للإيفاء بالتزاماته القانونية "تجاه سكان الأراضي المحتلة؛ خاصة فيما يتعلق برفع الحصار عن غزة وتوفير المستلزمات الطبية".
كما دعا منظمة الصحة العالمية إلى "فتح مركز إقليمي في الأراضي الفلسطينية لمراقبة انتشار الوباء".
أدنى المقومات
وبحسب تقديرات مكتب منظمة الصحة العالمية في غزة، فإن الوضع الصحي بالقطاع الذي يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة بفعل الحصار الإسرائيلي المشدد وعقوبات السلطة، لديه القدرة على التعامل مع أول 100 حالة إصابة بالفيروس بطريقة جيدة، وبعد ذلك سيحتاج دعماً خارجياً.
ولكن ما أثار القلق حين اعتبر منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في فلسطين، جيمي ماكغولدريك، أن وصول "كورونا" إلى غزة "قد يكون مخيفاً، نتيجة الاكتظاظ السكاني ومحدودية النظام الصحي"، قائلاً في حوار نشره الموقع الإخباري الرسمي للأمم المتحدة، قبل ساعات من الإعلان عن أول حالتي إصابة: "قلقون فيما يتعلق بغزة؛ إنها منطقة معقدة، بسبب الحصار الطويل الأمد والقيود المفروضة التي تصعّب الأمور".
ورأى المسؤول الأممي أن وصول الفيروس إلى القطاع سيحوّله إلى "ما يشبه الحاضنة عندما يعلَق الناس ضمن منطقة مكتظة بالسكان، والنظام الصحي فيها يعاني نقصاً في التمويل وشحّاً بالموارد والأجهزة".
كارثة مروعة
مركز حقوقي إسرائيلي هو الآخر قال إن تفشّي فيروس كورونا في قطاع غزّة سيؤدي إلى كارثة مروّعة نتيجة للحصار.
جاء ذلك في بيان لمركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم"، الإثنين.
وقال البيان "لنا أن نتصوّر حجم الكارثة المرعبة التي ستلمّ بقطاع غزة على خلفيّة الجمع بين الاكتظاظ السكّاني ونتائج الحصار من بينها الفقر المُدقع وانهيار البُنى التحتيّة وظروف الحياة الصعبة التي تؤثر على الوضع الصحّي لسكّان القطاع حتى دون تعرّضهم لفيروس كورونا".
وأضاف "جهاز الصحّة في قطاع غزّة منهار أصلاً حتى قبل وجود مريض كورونا الأوّل وهو اليوم أبعد ما يكون عن تلبية احتياجات السكّان في ظلّ نقص الأدوية والتجهيزات والمعدّات الطبيّة".
وتابع "ما يقارب مليوني إنسان يعيشون في فقر مدقع وعوَز، الاقتصاد انهار منذ زمن طويل والسكّان محبوسون داخل سوق عمل صغير ومحدود ممّا أنتج بطالة وصلت أكثر من 70% في أوساط الشباب وجعل نحو 80% من السكّان معتمدين على مخصّصات الغوث الإنساني".

