يُحيي الفلسطينيون في 17 إبريل/ نيسان من كل عام، "يوم الأسير"، لكن الذكرى تأتي هذا العام في ظل واقع يزداد سوءا، جرّاء سياسات الاحتلال داخل السجون، ومخاوف من تفشي فيروس كورونا بصفوف الأسرى.
ويصادف إحياء الذكرى هذا العام غد الجمعة، إلا أن فعالياته ستكون إلكترونية وعبر مؤتمرات، دون مسيرات وقفات احتجاجية، جراء حالة الطوارئ المعلنة من قبل الحكومة الفلسطينية، والتي دخلت شهرها الثاني، إثر تفشي فيروس كورونا.
ويواجه ما يقارب 5 آلاف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية واقعا من القمع والعزل وسلب الحريات، يتعرضون فيها لأشكال التعذيب والتعنيف كالعزل الانفرادي، الإهمال الطبي، والحرمان من الرعاية الجسدية والنفسية.
بدورهم؛ حذر باحثون ومختصون في شؤون الأسرى الفلسطينيين، وخبراء في القانون الدولي، خلال ندوة نظمها "المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج" وجامعة "السلطان محمد الفاتح عبر الاتصال المرئي، بعنوان "الأسرى الفلسطينيون والقوانين الدولية في ظل جائحة كورونا" من خطورة بالغة تداهم حياة الأسرى الفلسطينيين بسجون الاحتلال، حال انتقال عدوى وباء "كورونا" إلى صفوفهم، في ظل العدد الكبير للأسرى من فئات كبار السن والمرضى وأصحاب المناعة المتدنية، بالإضافة إلى النساء والأطفال.
الأمم المتحدة تغض الطرف عن الأسرى
من جهته، اعتبر المقرر السابق للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية البروفيسور ريتشارد فولك "وضع السجناء الفلسطينيين، كفئة مستضعفة، استثنائي لأنه يتحدى المسؤوليات الأخلاقية".
وأضاف: "في الأوقات العادية؛ يتعرض الأسرى بالفعل للاحتلال من خلال الفصل العنصري؛ وهو أيضًا جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي، كما أن احتفاظ إسرائيل بهؤلاء الأسرى كل هذا الوقت هو انتهاك للقانون الدولي".
ورأى فولك في ورقته التي كانت بعنوان "مسؤولية المجتمع الدولي والمنظمات الدولية في ظل جائحة كورونا"، أن السجين الفلسطيني لطالما كان في وضع تنتهك فيه حقوقه المنصوص عليها في القوانين الدولية.
وطالب فولك بالعمل لإحداث "ضغط بشكل كبير على إسرائيل، لتطلق سراح الأسرى" معتبرًا أن هناك "أزمة إنسانية في فلسطين هدفها إخضاع الناس؛ لأن هناك الكثير من الفئات المستضعفة."
وأشار إلى أن الاتفاقيات الدولية، ومنها "اتفاقية جنيف واضحة في تسميتها لواجب إسرائيل، ولكن يتم تجاهلها بالكامل عند الحديث عن الأوبئة".
وأضاف: "لدى المجتمع الدولي فرصة ومسؤولية للرد بطريقة عاجلة وبناءة قدر الإمكان، كما أصدرت الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية إرشادات وتوصيات، حول كيفية معاملة السجناء؛ خاصة في فلسطين، مشيرة إلى ضرورة اتباعها".
وحمّل فولك، الأمم المتحدة المسؤولية السياسية والقانونية عن حماية السجناء، مطالبًا "إسرائيل" بإطلاق سراح الفئات المستضعفة من بينهم. منوهًا إلى أن المجتمعات المدنية تتحمل أيضًا مسؤولية مراقبة وحماية حقوق الأسرى الفلسطينيين.
5 آلاف أسير في خطر
وقدم الخبير في القانون الدولي، الدكتور أنيس قاسم، في ورقته "الحقوق الصحية للأسرى الفلسطينيين في القانون الدولي"؛ شرحًا وافيًا عن الحق في الحصول على الرعاية الصحية، "كأساس في القانون الإنساني".
وعبر في مداخلته عن شعوره بالقلق "حيال مصير 5 آلاف أسير فلسطيني محتجز على أُسس فصل، وقوانين عنصرية دون أي دعم، بعد تحول الفيروس إلى جائحة".
وقال: "جرى توثيق الصحة والرفاهية على أتم وجه في المعاهدات الدولية للفرد، كما تم الإعلان عن ذلك من قبل الأمم المتحدة. لا يجوز تعذيب الفرد".
وتابع قائلا: "أصبحت الوثائق المختصة بسجناء الحرب أكثر تفصيلًا في دفاعها عن هؤلاء السجناء. إذا فقد الفرد حريته؛ فيجب أن يحصل على المزيد من الحماية من قبل من قاموا بأسره".
وأكد الخبير في القانون الدولي، على أن "الدول ملزمة بحماية السجناء في كل الظروف؛ حيث يجب أن يكون هناك عيادة في كل سجن، وتوجد حالة ملحة هنا -وهي الوباء- يجب عليهم عزل المرضى وعدم خلطهم مع السجناء الآخرين ليتم حماية غير المصابين من العدوى".
وفي ختام ورقته قال قاسم "الإسرائيليون يرتكبون جريمة ضد الإنسانية. تنص الفقرة 8 من المادة 7 من اتفاقية روما على أن أي اضطهاد لمجموعة من الناس لأسباب سياسية أو لأسباب لا يتسامح معها القانون الداخلي هو جريمة ضد الإنسانية، والقانون الدولي لا يتسامح مع جرائم إسرائيل".
معاناة مضاعفة
مركز الميزان لحقوق الإنسان، جدد تأكيده على أنّ الاحتلال الإسرائيلي مُلزم باحترام قواعد معاملة المعتقلين وبخاصة الحق في الرعاية الصحية، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقال المركز في بيان صحفي وصل "الرأي" نسخة عنه:"تتضاعف معاناة المعتقلين الفلسطينيين داخل السجون "الإسرائيلية" في ضوء انعدام مقومات الحق في الرعاية والخدمات الصحية، واستمرار سياسة الإهمال الطبي، الأمر الذي يُشكل تهديداً جدياً على حياتهم، ويُدق ناقوس الخطر في ضوء ضبابية المعلومات حول أوضاعهم نظراً لإجراءات منع الزيارات العائلية والرقابية التي اتخذتها إدارة مصلحة السجون "الإسرائيلية". هذا إلى جانب عدم كفاية الإجراءات والتدابير الوقائية التي اتخذتها لحمايتهم من المخاطر المُحدقة".
وتشهد السجون الإسرائيلية اكتظاظًا كبيرًا، وبحسب المعلومات التي أشار إليها المركز:"بلغ عدد المعتقلين الفلسطينيين حتى نهاية شهر فبراير/ شباط 2020م، بحسب الإحصائية الصادرة عن مؤسسات الأسرى وحقوق الإنسان، حوالي (5000 معتقل/ة)، منهم (43) سيدة، وحوالي (180) طفل، فيما يبلغ عدد المعتقلين الإداريين حوالي (430) معتقل، مما يُثير المخاوف من طبيعة الإجراءات الإسرائيلية المُتخذة، خاصة عدم اتباع إجراءات التباعد، وعدم التخفيف من حالة التكدس القائمة في أعداد المعتقلين داخل السجون".
في هذا السياق أضاف المركز:"تحتجز سلطات الاحتلال حوالي (8) معتقلين فلسطينيين داخل الغرفة الواحدة فيما لا يتجاوز عدد السجناء "الإسرائيليين" الأربعة للغرفة الواحدة. واتضح أيضاً أن إدارة مصلحة السجون "الإسرائيلية" تعتمد اللغة العبرية في منشورات التوعية والإرشاد الخاصة بالمعتقلين الفلسطينيين، مما يُعرقل فهمها على نحو أفضل من قبل المعتقلين خاصة الجدد".
وأشار الميزان إلى أنه تقدم بتاريخ 10/3/2020م، بطلب عاجل إلى مدير عام مصلحة السجون "الإسرائيلية" للاستيضاح حول الإجراءات الوقائية التي تم اتخاذها في مواجهة جائحة كورونا، وأبرز الإشكاليات التي اعترت الإجراءات المُعلن عنها، من قبل إدارة مصلحة السجون والتي لا توفر الحماية والوقاية الكافية من مخاطر انتشار المرض في صفوف المعتقلين الفلسطينيين.
وطالب المركز بتوفير تدابير احترازية أثناء تنقل المعتقلين الفلسطينيين (البوسطة)، والحد من اكتظاظ المعتقلين، والإجراءات الاحترازية الخاصة بالاختلاط ما بين المعتقلين وغيرهم من العاملين في إدارة مصلحة السجون. وتلقى المركز بتاريخ 24/3/2020م من قبل إدارة مصلحة السجون مذكرة جوابية فضفاضة لا تُقدم إجابات على التساؤلات التي جاءت في الطلب العاجل.
بيئة خصبة
وكيل وزارة الأسرى في فلسطين بهاء المدهون، قال إن سجون الاحتلال بيئة خصبة لانتشار الأمراض وخاصة فيروس "كورونا"، مشيرًا إلى أن هناك مئات الأسرى داخل السجون من المرضى المصابين بالأمراض المزمنة والسرطان والقلب، إضافة إلى ضعف مناعتهم.
وأضاف المدهون أن الاحتلال يحاول على مدار سنين الاعتقال استخدام كل الأساليب من أجل تحطيم معنويات الأسرى، وعزيمتهم وإرادتهم.
وأضاف المدهون أن وجود عدوى "كورونا" المستجد في ظل الظروف البيئية والصحية في سجون الاحتلال من الاكتظاظ والرطوبة وقلة الخروج في الشمس والاكتظاظ الشديد داخل السجون، ناهيك عن عدم توفر المعقمات الخاصة، كل ذلك يساعد في انتشار العدوى بين الأسرى الفلسطينيين.
وطالب الصليب الأحمر الدولي، بالضغط على الاحتلال لتوفير إجراءات الوقاية والسلامة داخل السجون والمتابعة الحثيثة لحماية الاسرى، إلى جانب الضغط على الاحتلال لتسهيل التواصل بين الأهالي وذويهم في السجون.
ودعا المدهون الجهات الأممية والدولية والحقوقية بالعمل الجاد للإفراج العاجل عن الأسرى المرضى، خاصة المصابين بالأمراض المزمنة والأطفال وكبار السن.

