اسرائيل اليوم - بقلم: دوري غولد
(المضمون: اوروبا تتسبب منذ سنوات طويلة بتصلب مواقف الفلسطينيين من خلال اقتراحاتها الضارة كما حدث مؤخرا).
المبادرة السويدية للاعتراف الاوروبي بشرقي القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية، ليست المرة الاولى التي تشهد فيها اسرائيل امام ناظريها محاولة اوروبية لزعزعة مكانة عاصمتها والتشكيك فيها.
قبل عشر سنوات في الرابع من ايار 1999، اوشك الاتفاق الانتقالي في اطار اوسلو على التبدد، والسلطة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات تدارست امكانية الاعلان من طرف واحد عن الدولة الفلسطينية. كلما اقترب الموعد ازدادت الحيرة في اوساط القيادة الفلسطينية بصدد هذا البيان احادي الجانب وحدود تلك الدولة.
ابو العلاء احد مهندسي اوسلو، كتب في صحيفة "الحياة الجديدة" الفلسطينية في الـ 21 من كانون الاول 1998 بان اسس الدولة الفلسطينية التي كانت قد وضعت خصوصا قضية الحدود التي حددت ضمن قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة رقم 181 في عام 1947.
وفقا للقرار 181، القدس كلها اعتبرت كيانا دوليا طوال عشر سنوات تحت وصاية الامم المتحدة، حيث سيكون بامكان المواطنين في اطارها التصويت ان كانوا يريدون الانضمام للدولة اليهودية او العربية اللتان سيتم تشكيلهما لاحقا. الكيان الدولي سمي بالاحرف اللاتينية "Corpus Separatum" – جسما منفصلا.
في الاول من اذار 1999 وعندما كانت المانيا رئيسا دوريا للاتحاد الاوروبي ارسل سفيرها في اسرائيل لوزارة الخارجية الاسرائيلية مذكرة شفوية جاء فيها ان الاتحاد الاوروبي يصادق على موقفه المعروف بصدد وضع مدينة القدس الخاص كجسم منفصل. خلال ايام قلائل نقل عن ابو العلاء في صحيفة السلطة الفلسطينية الرسمية "الايام" قوله ان الرسالة الاوروبية "تؤكد ان القدس بشطريها شرقا وغربا هي ارض محتلة".
بهذه الطريقة تسبب الاوروبيون في واقع الامر بتطرف الموقف الفلسطيني. ياسر عرفات شرع بحملة بالاعتراف الدولي بالقرار 181 كاساس الدولة الفلسطينية – من دون اي ذكر للقرار 242 وبينما كان عرفات في نيويورك ارسل ممثل م.ت.ف في الامم المتحدة ناصر القدوة، رسالة لكوفي عنان طالب فيها اسرائيل "بان توضح للاسرة الدولية الخطوات التي اقدمت عليها بصورة غير قانونية من خلال فرض قوانينها وانظمتها على الاراضي التي احتلها في عام 1948 بما يتجاوز الاراضي التي خصصت للدولة اليهودية في القرار 181".
ولكن الدبلوماسية الاسرائيلية الفعالة في عام 1999 دفعت م.ت.ف للتراجع عن حملتها القائمة على قرار 181 في موازاة قرار احادي الجانب باقامة الدولة الفلسطينية. ولكن ما اتضح هو ان الاوروبيين قد تسببوا بتعميق الفجوات بين الاسرائيليين والفلسطينيين بدل من جسرها.
للاوروبيين تاريخ تصريحات مقلقة في قضية القدس. بدءا من بيان البندقية الصادر في عام 1980 الذي رفض خطوات اسرائيل احادية الجانب الساعية لتوحيد شطري المدينة بعد عام 1967.
ولكن منذ عام 2002، حصل الاوروبيون على مسؤولية جديدة كأعضاء في الرباعية – الى جانب الولايات المتحدة وروسيا وأمانة الامم المتحدة العامة – بهدف مساعدة الاطراف المتنازعة للتوصل الى حل متفق عليه للصراع الاسرائيلي الفلسطيني. وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت يعرف بيان الرباعية الصادر في التاسع من تشرين الثاني 2008 حيث اجمعت الاطراف على مبدأ عدم تدخل طرف ثالث في المفاوضات الثنائية.
الان ومن خلال اشهار جزرة التأييد لتحويل شرقي القدس لجزء من المدينة الفلسطينية، يتسبب السويديون بافتراض مستشاري ابو مازن بانهم ان عزفوا عن مسار المباحثات المباشرة مع اسرائيل، فسينجحون في خلق اجواء سياسية تؤدي لتدخل خارجي من طرف ثالث لصالحهم. النتيجة المباشرة هي ان السويديين قد اضعفوا رغبة ابو مازن بالعودة الى طاولة المفاوضات مع اسرائيل. اضف الى ذلك ان خلق مبدأ الرباعية قد تسبب بالحاق ضرر بمصداقية اوروبا بنظر اسرائيل. ذلك لانه من الذي يحتاج الرباعية التي لا تستطيع حتى الالتزام بالتعهدات التي اخذتها على عاتقها؟
ليس من الممكن تجاهل اوجه الشبه بين الاثار المترتبة على المبادرة السويدية الحالية وعلى المباحثات الجارية بين اسرائيل والفلسطينيين، وبين مبادرة الاتحاد الاوروبي في عام 1999: بدلا من تسهيل المباحثات يقومون بعرقلتها وتشجيع الفلسطينيين على المسار احادي الجانب.
اليوم قد اصبح واضحا ان اصرار ادارة اوباما على تجميد الاستيطان قد دفع ابو مازن لتحويل هذا التجميد الى شرط مسبق لاستئناف المباحثات – شرطا لم يكن قائما حتى الان. اسرائيل ترفض عن حق فكرة سريان اشهر التجميد العشرة على شرقي القدس. لشدة الاسف المبادرة السويدية ستؤدي فقط الى تصلب موقف ابو مازن المطالب بالتجميد ايضا في شرقي القدس. وهذا الامر سيؤدي الى ابعاد فرص استئناف المفاوضات.
في اخر المطاف خفف الاتحاد الاوروبي صيغة الاقتراح السويدي بعض الشيء. الدعوة الى تحويل القدس الى عاصمة للدولتين ما زالت على حالها والاتحاد الاوروبي اعتبر خطوط حزيران 1967 في القدس النابعة من اتفاق الهدنة، حدودا دولية صلبة غير قابلة للتغيير من دون موافقة الجانبين. هذه الصياغة قد تلقي بظلالها على الصراع السياسي المستقبلي حول البلدة القديمة واماكن اخرى في القدس.
بامكان اسرائيل ان تستخلص عبرة هامة من النقاش داخل الاتحاد الاوروبي بصدد مستقبل القدس. هناك مثل شائع في حكومات اسرائيل "العاجل يؤجل المهم". هنا ايضا الدبلوماسية الاسرائيلية انشغلت في امور عاجلة على حساب مصالح طويلة المدى مثل الحفاظ على القدس الموحدة.
ايضا عندما بدى ان مواقف اسرائيل موجودة ضمن الاجماع، من المهم عدم قبول تأييد العالم باعتباره مسألة بديهية.
قبل التداول في المبادرة السويدية نشأ اصطفاف من سياسيين اوروبيين سابقين لمنح دعم للمصالح الفلسطينية. في مواجهة هذا الواقع من المطلوب بذل جهود مبرمجة من قبل دولة اسرائيل للدفاع عن حقوقها في القدس. هذا امر يجب ان يتم من خلال التأكيد على الصلة التاريخية العميقة بين الشعب اليهودي وبين عاصمته. وان لم يحدث ذلك فان اسرائيل قد تبدو كطرف مستعد للتسليم بالتنازلات الصعبة التي تقترحها اوروبا حتى في اوساط اصدقائها المقربين.
المصدر: / مركز أبحاث المستقبل – تقرير الصحف العبرية 12/12/2009م

