على يسار الشاشة، تعمل خانة مخصصة لإحصاء الأرقام الواردة تباعاً من منطقة الحدث الساخنة، في غضون دقائق معدودة يتغير الرقم بمكوناته من عشرات إلى مئات، فلم يبدأ العد من الرقم واحد كما المعتاد، ففي غزة يختلف كل شيء حتى طريقة العد، فالبداية كانت من الرقم تسعة، وبقي الرقم مفتوحا على مصرعيه حتى بعد انتهاء العدوان.
أحد عشر يوما من حصد الأرواح الآمنة في بيوتها بقطاع غزة، عائلات بأكملها تدفن وتبقى قصتها سراً خفياً في صدور شهدائها، تفاصيل كثيرة تحت أسقف البيوت المنهارة، تحولت إلى مشاهد رمادية مع أول استهداف غادر.
ومع تصاعد أعداد الشهداء الذي وصل عددهم إلى أكثر من 260 شهيداً وما يزيد عن 500 جريحا، إلا أن هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى لا يخفي قصة كل شهيد على حدا، لا يخفي حلمه، ولا يطمس طموحه، ولا يمحو الذاكرة التي تحتفظ بوجوه وقصص الشهداء وأماكنهم ووصاياهم وكلماتهم الأخيرة.
"ليسوا أرقاماً"
انتصاراً لدماء الشهداء وكرامة لارتقائهم في هذا العدوان، وحتى لا تبقى الأرقام عالقة في الأذهان أكثر من قصصهم وأثرهم وهدفهم الذي استشهدوا من أجله وفداء له، آثر المكتب الإعلامي الحكومي على إقامة حملة إعلامية تنص على التغريد بـوسم "ليسوا أرقاما".
مدير عام الإنتاج الإعلامي في وزارة الإعلام إسماعيل الثوابتة، والقائم على رأس الحملة الإعلامية، يقول: "اليوم يطلق المكتب الإعلامي الحكومي حملة تغريد ونشر كل ما يتعلق بضحايا عدوان الاحتلال "الإسرائيلي" 2021م، وذلك بهدف دعم صمود شعبنا الفلسطيني العظيم من جهة، وفضح جرام الاحتلال من جهة أخرى.
يضيف الثوابته لـ"الرأي" هذه الحملة سيشارك فيها عدد كبير من الإعلاميين والصحفيين والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث سيتم نشر النصوص والصور والفيديوهات ملحقة بالوسمين المتفق عليهما وهما (#ليسوا_ارقاما) وباللغة الانجليزية (#NotNumbers)، من أجل تذكير العالم بتفاصيل جريمة الاحتلال بحق هؤلاء الضحايا.
ودعى أبناء شعبنا الفلسطيني إلى ضرورة المشاركة في هذه الحملة التي تعدّ شاهداً جديداً على جرائم الاحتلال المتواصلة بحق شعبنا الفلسطيني.
قصصاً لا تمحى
كل وجه شهيد، هو وجه إنسان يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلا، هو قلب أم احتضنت أطفالها خوفاً عليهم من ضربات الصواريخ العشوائية، وهو ورع أب يخفي اطفاله في أحضانه ليمنح أطفاله الطمأنينة وسط الفزع، وهو نداء مقاوم يغيث رفيق دربه، وهو صوت صحفي يصدح بالحقيقة وحين غفت عيونه قليلا غُدر بصاروخ غاشم.
فهنا تحت سقف أحد البيوت المدنية الآمنة، أمسك الطالب توفيق أبو العوف بكتابه رغماً عن الأحداث، وتجاوزاً لمحطات الخوف والموت والاستهداف، لعله يلتقط أي من معلوماته لتبقى عالقة إلى يوم تقديمه لامتحانات الثانوية العامة النهائية، يمسك بكتابه تارة ويطل من النافذة تارة أخرى يراقب أعمدة الدخان المتصاعدة تباعاً، حتى عاجله صاروخ حربي أودى به شهيداً برفقة حيه السكني وعائلته جملة واحدة.
أما تلك الزوجة كانت تدلل مشيتها خشية على جنينها، تحتاط على نفسها وعلى مولودها القادم من نسمة الهواء العابرة، بين فينة وأخرى تضع يدها وهي تتخيل أنها تلمس رأسه، تتحسس نبضه وركلات أقدامه الصغيرة، لكن العدوان عكر صفو خيالها، وحول بنايتها السكنية إلى كومة من الركام، وعُثر عليها بين جثامين الشهداء في مجزرة حي الوحدة.
القصص تساوي أعداد الشهداء وزيادة، فمع انتهاء العدوان تتكشف تفاصيل لم تبث على الشاشات، وتروى قصص لم تسمع من قبل، وأعداد الشهداء في ازدياد يومي، وعلى أسرة المستشفيات جرحى في أنفاس أعمارهم الأخيرة.

