الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومن سار على دربه إلى يوم الدين، وبعد،،،
فإن مسألة الجمع بين الأضحية والعقيقة في النية في ذبيحة واحدة، والتي تدخل تحت موضوع التشريك في النية، من المسائل التي يكثر السؤال عن حكمها مع اقتراب عيد الأضحى المبارك؛ لأنه وقت الأضحية، أما العقيقة فللمسلم أن يعقَّ عن نفسه أو من يعول في أي وقت.
هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، فمنهم من قال: لا يجوز الجمع بين الأضحية والعقيقة في النية في ذبيحة واحدة، وهذا رأي معتبر له قيمته ووجاهته.
ومنهم من ذهب إلى جواز الجمع بين الأضحية والعقيقة في النية في ذبيحة واحدة، وهذا ما أرجحه، وسأذكر بعض أقوال القائلين به، وأسباب ترجيحه من وجهة نظري، ولست بصدد دراسة القضية هنا دراسة فقهية تأصيلية مقارنة، مع التأكيد على أن الأفضل للمسلم الغني القادر أن يذبح ذبيحتين: إحداهما أضحية والأخرى عقيقة تحصيلًا للأجر الأعظم.
قال الرملي في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: وَلَوْ نَوَى بِالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ الْأُضْحِيَّةَ وَالْعَقِيقَةَ حَصَلَا " أي الأضحية والعقيقة بنية واحدة وفي ذبيحة واحدة".
وقال البهوتي في كشَّاف القناع: وَلَوْ اجْتَمَعَ عَقِيقَةٌ وَأُضْحِيَّةٌ وَنَوَى الذَّبِيحَةَ عَنْهُمَا، أَيْ: عَنْ الْعَقِيقَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ أَجْزَأَتْ عَنْهُمَا نَصًّا. وجاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل: ولو اجتمع عقيقة وأضحية ونوى بالأضحية عنها أجزأت عنها نصًا، " والمقصود بقولهم نصًا أي نص على ذلك الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله".
وقال المرداوي في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: قال في رواية حنبل: أرجو أن تجزئ الأضحية عن العقيقة.
وقال ابن القيم في تحفة المودود بأحكام المولود: فَإِذا ضحى وَنوى أَن تكون عقيقة وأضحية وَقع ذَلِك عَنْهُمَا كَمَا لَو صلى ركْعَتَيْنِ يَنْوِي بهما تَحِيَّة الْمَسْجِد وَسنة الْمَكْتُوبَة.
وجاء في المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة: عَنِ الْحَسَنِ البصري، قَالَ: إِذَا ضَحَّوْا عَنِ الْغُلَامِ، فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنَ الْعَقِيقَةِ. وعَنْ هِشَامٍ، وَابن سِيرِينَ، قَالَا: يُجْزِئُ عَنْهُ الْأُضْحِيَّةُ مِنَ الْعَقِيقَةِ.
وقال ابن رجب في القواعد: إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت تداخلت أفعالهما، واكتُفيَ فيهما بفعل واحد. ومنها إذا اجتمع عقيقة وأضحية فهل تجزئ الأضحية عن العقيقة أم لا؟
على روايتين منصوصتين. " أي للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قولان في المسألة، أحدهما الجواز والآخر المنع".
وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر: إذَا اجْتَمَعَ أَمْرَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَقْصُودُهُمَا دَخَلَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخِرِ غَالِبًا.
وما يُرَجِّحُ جواز الجمع بين الأضحية والعقيقة في النية في ذبيحة واحدة، أنَّ الأضحية والعقيقة عبادتان من جنس واحد، وكلاهما سنَّة، ويجزئ في العقيقة الجنس الذي يجزئ في الأضحية وهو الأنعام، وكذلك يجزئ فيها المقدار الذي يجزئ في الأضحية وأقله شاة أو سُبع بدنة أو بقرة، والمقصود منهما التقرب إلى الله تعالى بالذبح وشكره على نعمه، وإظهار التكافل الاجتماعي فدخلت إحداهما في الأخرى، وفي هذا القول تيسير على المسلمين حيث إن منهم من لا يملك ثمن ذبيحتين، فيذبح واحدة وينوي الجمع بين الأضحية والعقيقة. والله أعلى وأعلم
د. خالد محمد تربان
أستاذ الفقه وأصوله

