يُعدُّ شاطئ البحر متنفساً مهماً للمواطن الفلسطيني البسيط في قطاع غزة على مدار فصل الصيف الملتهب، فهو أول خيارات الترفيه والنزهات والاجتماعات العائلية، ما يحرم العائلة من ممارسة الخصوصية التامة لانفتاح الأجواء البحرية على مصرعها.
وفي السنوات الماضية ظهرت بدائل أخرى لا تغني تماماً عن التنزه بين استراحات وأكواخ الشاطئ؛ إلا أن الحاجة للبديل كانت مُلحة لممارسة أوقات عائلية خاصة بعيداً عن ضجيج الازدحام والاكتظاظ العام هناك على شاطئ البحر من جهة، وبعيداً عن التلوث الذي أصاب البحر من جهة أخرى بسبب المياه العادمة التي تُصب اضطراراً في البحر.
مئات "الشاليهات" والمنتجعات كشفت الستار عن نفسها مطلع انطلاق الصيف، لإتاحة الفرصة أمام الجمهور لاستئجارها من قبل العائلات ضمن أعداد محدودة بحسب مساحة المنتجع ذاته، وذلك بعد توقف محطات التحلية عن تنقية مياه الصرف الصحي الواصلة للشواطئ كما أشرنا سابقاً، إثر اشتداد الحصار وانقطاع التيار الكهربائي لأكثر من اثني عشرة ساعة يومياً صيف العام الماضي.
حوادث وأمراض
اللجوء إلى "الشاليهات" كبديل عن الاستجمام في البحر لم يكن بديلاً ناجعاً 100%، فقد ظهرت مع مرور الصيف العديد من المشكلات التي أرّقت العائلات وألبستها ثوب المرض أحياناً، وثوب الحزن بحالات غرق متعددة أحياناً أخرى، وحوادث أخرى لا يتسع المجال لذكرها في هذا التقرير.
وكالة "الرأي" تحدثت إلى عائلة المواطن "محمد علي" والتي قضت على مدار الصيف أكثر من مرة يومها في عدد من الشاليهات، في كل مرة كانت تدفع مبلغ يصل إلى 500 شيكل مقابل قضاء اثنى عشرة ساعة في اليوم الواحد، حيث تبدأ الرحلة من الساعة الثامنة صباحا وحتى الثامنة مساءً، أو العكس.
واشتكى رب العائلة من ارتفاع المبلغ المدفوع لرحلة مدتها منتصف يوم واحد، مبرراً بقوله: "استئجار شاليه تحول إلى ظاهرة اعتيادية - وإجبارية أحياناً - تُمارسها العائلات خلال الصيف، لوجود برك السباحة الكبيرة ما يتيح المجال للعب وقضاء أوقات مليئة بالمغامرات والمسابقات والألعاب المائية".
ويستطرد "علي" بقوله: "إن المياه التي تملأ برك السباحة على عاتق صاحب المنتجع هي مياه جديدة ومعقمة ونظيفة بنسبة تامة، رغم تأكدنا بأن عائلة سبقتنا يصل عددها لأكثر من خمسة عشر فرداً قضت ساعاتها في نفس المكان دون تجديد المياه".
مياه "زنخة"
تعكُّر المياه ورائحتها (الزنخة) تدل على فساد المياه داخل حوض السباحة، وهذا أكبر دافع يمنعني من إنزال أطفالي لأحواض السباحة التي جئنا من أجلها من الأساس، رغم التكاليف المادية التي أرهقت جيوبنا، حسب ما قال "علي".
ويستعين البعض بجمع أكبر قدر ممكن من الأشخاص لتوفير المبلغ المقرر دفعه لاستئجار الشاليه، كما فعلت مجموعة من الصديقات قدرت أعدادهم بـثلاثين فتاة جامعية لتخفيض الاشتراك للفتاة الواحدة من أجل قضاء عدد الساعات المشروطة بحسب ضوابط الرحلة المقررة.
استكمال العدد من أصعب المهمات الواقعة على كاهل القائم على إعداد الرحلة وتنفيذها والإشراف على تفاصيلها، إلا أن المفاجأة تتلخص بموقف صاحب الشاليه الذي يُصر على استلام المبلغ المطلوب قبل بدء الرحلة، والذي اكتفى بوضع أقراص "الكلور" داخل بركة السباحة يبدأ عمقها من 150 سم إلى ثلاثة أمتار أو أقل، دون مراعاة للمواصفات المتعارف عليها صحياً وقانونياً.
الاحمرار والطفح الجلدي والحساسية الفائقة؛ كان أول ما باغت الفتيات مجرد نزولهن في بركة السباحة التي من المفترض أنها موافقة للمواصفات الصحية للسباحة الطبيعية، وكخدمة طبيعية مقابل المبلغ المدفوع.
ومن خلال عدد من التجارب من قبل العائلات المستأجرة، تبين أن تلك الشاليهات تُعاني من مشاكل عدة تتعلق بالرقابة والترخيص، ومشاكل تعتري مرافقها من ناحية الأمن والسلامة خاصة أحواض السباحة التي تفتقر في معظمها لنظام «كلورة» و«فلترة» يعملان ضمن المواصفات والمقاييس العالمية الصحيحة.
أين الرقابة على أحواض السباحة؟
عائلة "عيسى" التي اتخذت من الشاليهات رحلاً معتادة، اكتشفت أن الرقابة على أحواض السباحة ونظافة مياهها تقع في كارثة صحية كبيرة يجب إدراكها، وأكدت العائلة على أن مصائب وكوارث تحصل في تلك الأحواض جراء عدم نظافتها و«كلورتها» و«فلترتها»، مشيراً إلى أن نسبة الرقابة من الجهات المعنية على الماء داخل أحواض السباحة تكاد تكون معدومة، متسائلاً: "أين هو الدور الحكومي والرقابي على هذه الشاليهات؟".
وقالت عائلة "عيسى" على لسان أحد أفرادها في حديث لـ"الرأي": "إن الشاليهات تمثل خطراً جسيماً على الأطفال ووقوع حوادث الغرق دون توفير أدوات الانقاذ والتي من المفترض أن تكون ضمن الخدمات المقدمة من إدارة الشاليه للمكان".
تفتقر للمعايير والمقاييس
وفي تحقيق صحفي سابق نشرته وكالات متعددة منها وكالة "فلسطين اليوم" وموقع "الاقتصادي" لمختص علم تطهير المياه "عادل مقاط" قال فيه: "إن كثيراً من أحواض السباحة داخل شاليهات غزة تفتقر للمعايير والمقاييس العالمية من ناحية تطهير وتعقيم المياه، مؤكداً أن مشاكل عدة تعتري أنظمة «الفلترة» و«الكلورة» إضافة إلى جهل القائمين على المسابح في تطهير المياه بالطرق العلمية.
وأوضح مقاط، أن أصحاب الشاليهات يفتقدون للدراية والخبرة الكافية لكلورة وفلترة مياه المسابح، علاوةً على إهمال جزء كبير منهم نظافة المسابح لأسبابٍ عدة تتعلق بجشع بعض أصحاب الشاليهات لزيادة الكسب من وراء الشاليهات وتقليل نسبة المصروفات.
وبين أن التجار والمختصين يتلاعبون بعدد «الفلاتر» لغياب الخبرة الكافية في عملية حساب الكمية التي يجب أن تتناسب مع سعة الحوض أو للغش الممنهج والتضليل المباشر لزبائنهم من أصحاب الشاليهات، ومن الأخطاء التي يرتكبها أصحاب الشاليهات عدم استخدامهم لجهاز الأوزون في التعقيم، وإهمالهم لاستخدام أداوت التنظيف بشكل دوري، وعدم وضع لافتات توضح لمرتادي الشاليهات الطريقة الصحيحة والسليمة للنزول داخل أحواض السباحة.
وأشار إلى أن بعض أصحاب المسابح الخاصة يفتقرون للدراية العلمية في التعقيم، فقد يضعون نسباً عاليةً من مادة الكلور بحجة تطهير المياه، الأمر الذي قد يعرض المستجمين لأمراض متعددة خاصة الأمراض الجلدية، وقد تصل في بعض حالاتها عند الحوامل خاصة بالشهور الثلاثة الأولى للإجهاض لدى نزولها في أحواض سباحة تحتوي على نسبةٍ عالية من الكلور.
وأردف قائلاً: "نسبة الكلور في الماء يجب ألا تقل عن 75 مليغرام لكل 1000 لتر، وألا تتجاوز 2 غرام لكل 1000 لتر، لكن للأسف أصحاب برك السباحة لا يلتزمون بتلك النسب العالمية".
وأشار إلى أن أحواض السباحة بحاجة لفلترة بحد أقصى كل 3 ساعات غير أن أصحاب الشاليهات لا يلتزمون بذلك إطلاقاً، ويعمدون إلى تركيب أنظمة فلترة ذات سعة لا تناسب مع حوض السباحة، سواء كان ذلك جهلاً منهم وجشعاً من جهة، وإهمالاً وغياب رقابة من جهات الاختصاص من جهة أخرى.
لا أمن ولا سلامة ولا رقابة ولا ترخيص!
وفي تحقيق آخر أعده موقع "الاقتصادي" حول الشاليهات في قطاع غزة، فقد أكدت التحقيق أن الشاليهات في قطاع غزة تعاني من عدة مشاكل تتعلق بالرقابة والترخيص، ومشاكل تعتري مرافقها من ناحية الأمن والسلامة خاصة أحواض السباحة التي تفتقر للفلترة والتعقيم، وأنها لا يعملان وفق المواصفات والمقاييس العالمية الصحيحة.
ووفقا للتحقيق المذكور فقد تهرّب عدد من أصحاب الشاليهات من الحديث مع الصحفيين والإعلاميين بحجة أنهم مشغولين وإغلاق هواتفهم في وجه معد التحقيق الصحفي، غير أن أحدهم تحدث لمعد التحقيق ويدعى عبد الحليم مرتجى بنات فقال: "لا يوجد في قطاع غزة شاليه واحد مرخص، وإنما مجرد أنظمة وقوانين رقابية على تلك الشاليهات، وأن عدداً كبيراً من الشاليهات لا تزورها أي جهات رقابية".
وكشف عن أعداد كبيرة من الشاليهات تُبنى حالياً ولم تقوم الجهات الرقابية بزيارتها أو حتى طلب ترخيص لها أو للمراقبة عليها، قائلاً: "لم تزرنا أي جهة لترخيص الشاليهات بشكل رسمي، ولا يوجد رخص خاصة بالشاليهات".
وأوضح بنات أن هناك مصائب وكوارث تحصل في أحواض السباحة داخل الشاليهات جراء عدم نظافتها "وكلورتها" و"فلترتها"، مشيرا إلى أن نسبة الرقابة من الجهات المعنية على الماء داخل أحواض السباحة تكاد تكون أقل من 10%.
وبين أن حوالي 40% من الشاليهات لا تحوي أجهزة فلترة "أوتوماتيك" أو "كلورة" سليمة، وأن جزء كبير ممن يمتلكون تلك الأجهزة قد يوقفونها عمداً لزيادة الربح وتقليل المصروفات وأن هناك من يستخدمونها دون دراية كافة قد تعرض المستجمين لمشاكل صحية عديدة، وكشف أن عدداً من المستجمين أصيبوا بحساسية في الجلد ظهرت على جلودهم بقع بيضاء من جراء الكلورة الخاطئة والمياه الملوثة.
ولم يخف بنات عن حالات غرق لأطفال داخل الشاليهات، لكن ذلك لا يحدث في الشاليهات التي يديرها لتوفيره أدوات إنقاذ داخل أحواض السباحة كالعجلة، مشيراً إلى أنه لا يوجد أ] منقذين داخل الشاليهات الخاصة على الرغم من حدوث حالات غرق داخلها.
وماذا بعد؟
وتبقى قضية "الشاليهات" قضية مفتوحة وغير مضبوطة ويعاني منها كثير من الناس على صُعد متعددة، وأنها بحاجة ماسّة إلى ضبط وسيطرة ورقابة وترخيص من قبل جهات الاختصاص، وذلك حفاظاً على حياة المواطنين من الموت والغرق بتوفير وسائل السلامة والأمان، ومنعاً لحالة العشوائية والتسيب الذي تتصف به هذه الشاليهات.

