زنزانة ضيقة أشبه بالقبر، وكرسي تحقيق مربوط بالأرضية وأسير مقيد لساعات تفوق الأربع والعشرون ساعة، وحرمان من النوم والطعام والشراب الكافي الا من القليل الذي يبقيه حياً، وعدد لا بأس به من محققين يمارسون شتى أساليبهم القذرة، مرة بالشتم واللعن، ومرة بالصراخ والتهديد بالقتل وإحداث عاهة مستديمة.
ولا يتوقف الأمر هنا، حيث يحرم الأسير من الاستحمام مدة أسبوع، وتعريضه لموجات شديدة البرودة، إضافة الى حبسه مع العملاء، وهو ما تم تسميتهم من قبل الأسرى بـ"العصافير".
هذا جزء يسير مما يعانيه الأسرى الفلسطينيون في أقبية سجون الاحتلال من أساليب تعذيب بهدف انتزاع اعترافاتهم، الى جانب الضغط النفسي والجسدي الذي يمارسه المحققون.
"الرأي" تحدثت الى أسرى محررين في صفقة وفاء الأحرار، وأسرى تم الافراج عنهم بعد قضاء محكوميتهم، ونقلت تجربتهم المريرة داخل أقبية التحقيق في سجون الاحتلال.
زنزانة كالقبر
ويقول الأسير المحرر محمد كريم الذي أُعتقل على يد الاحتلال بتهمة قتل جنود:" خلال فترة التحقيق كان المحققون يجلسونني مربوطاً على كرسي مثبت بأرضية المكان لساعات تصل لـ ٢٤ ساعة دون طعام أو شراب أو نوم ".
"خمسة من المحققين يطوقون الأسير مع وصلة من السب والشتم واللعن، والضرب على الوجه والرقبة وفي كافة أنحاء الجسم، فيما يحرم الأسير من الاستحمام، ولا يسمح له إلا كل فترة طويلة تمتد لأسبوع، ويجبر على الصلاة على الكرسي مع إبقاء القيد وأغلب الصلاة كانت تيمم"، يضيف كريم.
"زنزانة زي القبر"، هكذا يصف كريم المكان الذي يتم حبس الأسير فيه بدون أي تهوية، فيما يتم تعريضه لموجات باردة، موضحاً أنه كان يشعر في شهر يوليو" وهو عز الصيف" أنه في أوج البرد.
ليس هذا فحسب، حيث كانت سلطات الاحتلال تقوم بوضع العملاء مع الأسرى بهدف الحصول على معلومات لصالح المخابرات الإسرائيلية، وهو ما يعرف بـ"العصافير الجواسيس".
ويؤكد كريم الذي حكم بالسجن 15 عاماً، وقضى منها 9 سنوات، وأفرج عنه في وفاء الأحرار وما يعرف بصفقة شاليط، أن العملاء كان يتم وضعهم داخل الزنازين، فيمارسون ضغوطاً نفسية كبيرة على الأسرى، الى الحد الذي يعتقد معه الأسرى أن هؤلاء "العملاء" أشخاص جيدون.
تعذيب نفسي وجسدي
الأسير المحرر خالد نصير أمضى حكما بالسجن 12 عاماً، تنقل خلالها بين عدة سجون "نفحة وعسقلان وريمونا والنقب والسبع"، بتهمة الانتماء لكتائب عز الدين القسام في مدينة نابلس.
"نصير" وهو من سكان قطاع غزة، كان قد سافر الى مدينة نابلس عام 1999، وتم الحكم عليه عقب الانضمام للكتائب بتهمة الاشتراك في عمليات ضد جنود الاحتلال.
وحول أساليب التعذيب التي تعرض لها خلال تواجده في الأسر، يقول:" لم يكن يسمح للأسير بالنوم وأخذ قسط من الراحة، الى جانب الشبح على كرسي صغير مقيد اليدين والقدمين، دون طعام أو شراب".
ويضيف:" المحققين الإسرائيليين كانوا يتفننون في تعذيب الأسير نفسياً، في حين كانوا يحبسون معه ما يسمى بـ"العصافير" لنزع اعترافاتهم وأيضاً الترحيل من سجن لآخر حتى الوصول للمحكمة، وهذا وحده مشقة على الأسير".
وحول الأسرى الستة الذين انتزعوا حريتهم من سجن جلبوع ومن ثم أمسك بهم الاحتلال، يؤكد نصير أن يوم العيد كان يمثل ألم حقيقي للأسرى، فبينما الجميع يُعيد على أمه وزوجته وأطفاله، يجلس الأسرى ممسكين بدفتر صور عائلاتهم والدموع تنهمر من أعينهم.
100 وسيلة تعذيب
ويؤكد اسلام عبده مسؤول الاعلام في وزارة الأسرى والمحررين بغزة، أن هناك أكثر من 100 وسيلة تعذيب تنتهجها إدارة سجون الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين، تتنوع ما بين التعذيب الجسدي والنفسي.
ويقول عبده في حديث لـ"الرأي":" منذ اللحظات الأولى لاعتقال الأسير، يتم ممارسة التعذيب المختلفة بحقه، حيث تبدأ عملية الضرب ومن ثم التوقيف، ثم مرحلة التحقيق لانتزاع الاعترافات، وفي هذه المرحلة تتكثف عمليات التعذيب بأساليب مختلفة حسب المحققين ووضع الأسير".
ووفق ما ذكره فإن جميع الأسرى الذين يدخلون السجن يتعرضون للتعذيب وبأشكال مختلفة، موضحا أن مراحل التعذيب مختلفة ومتعددة، ولا تنتهي بانتهاء التحقيق، حيث تستمر عملية التعذيب طالما الأسير موجود داخل سجون الاحتلال.
ويشير عبده الى أساليب التعذيب الجسدي، التي تتنوع ما بين الشبح لفترات طويلة والجلوس على هيئة القرفصاء وجلسة الموزة، والتعليق من الأرجل والموسيقى الصاخبة، وايضاً سكب الماء الساخن أو البارد على جسد الأسير.
وفي جانب التعذيب النفسي، والحديث لعبده، يقوم المحققين بتهديد الأسير وتخويفه بإحضار العائلة وانتزاع اعترافات منها، أو ايذائها الأمر الذي يدب الرعب والقلق في قلب الأسير خشية على مصير عائلته.
مخالفة للقانون الدولي
ويؤكد عبده أن هذه الأساليب التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق الأسرى مخالفة للقانون الدولي، لافتا الى أن وزارة الأسرى والمحررين تتابع الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى وتمارس بحقهم، وتقوم برصد وتوثيق الجوانب التي يتعرضون لها.
وحول التعذيب الذي تعرض له الأسرى الذين انتزعوا حريتهم من سجن جلبوع ومن ثمَ أُعيد اعتقالهم، يوضح مسؤول الاعلام أن هناك مخالفات قانونية تجاه الاسرى المعاد اعتقالهم، فهم بالأساس موجودين داخل السجن وأغلبهم محكوم بمؤبدات، والمؤبد 99 سنة.
ويردف قوله:" خضع الأسرى لجلسات تحقيق ومحاكمات جديدة وتعذيب جديد، وهذا على اعتبار أنهم سجناء مدنيين يشكلون خطر أمنى، بالرغم من أن الأصل يتم إعادة اعتقالهم ووضعهم وتأمينهم وعدم المساس بهم أو تجديد محاكمتهم.
"تعتيم اعلامي كبير حول ما يجري مع الأسرى المعاد اعتقالهم، وتخوفات حقيقية من تعرضهم لتعذيب شديد لانتزاع اعترافات واستخدام أساليب التحقيق التي تهدد حياتهم مثل ما تعرض له الأسيرين زكريا الزبيدي والأسير محمود عارضة "، يقول عبده.
ويتعرض الأسرى الستة لظروف اعتقالية صعبة وقاسية جدا وغير إنسانية، وهم لا يعرفون الوقت، ولا الليل من النهار، ويتعرضون لعمليات تحقيق متواصلة على مدار الساعة من قبل ضباط مخابرات الاحتلال، وفق حديث المحامي خالد محاجنة.
ومنذ اعتقالهم وحتى اليوم لم يسمح لهم الاحتلال بتبديل ملابسهم، والحصول على أبسط الحقوق الإنسانية التي يجب أن يتمتع بها الأسرى، وهم يقبعون في زنازين انفرادية أشبه بقبر.

