يمسكُ الاحتلال غزة من يدها الضعيفة، ويساوم على صبرها بوضع المرضى في دائرة الاستهداف والمساومة المعلنة، عقوبات لا عد لها تُمارس ضد المريض في قطاع غزة، أولها بمنعه من الخروج وممارسة حقه بالعلاج في الخارج، سواء بأراضي الداخل المحتل أو حتى في دول الجوار.
في كل مرة يقع المرضى في مرمى الهدف للاحتلال، فهو الجزء الهش من المجتمع الفلسطيني، وهو أول من يقع كفريسة ينهش الاحتلال حقوقه بكل شراهة، مرضى السرطان أول من يأكل المرض أجسادهم ويزيد بمنعهم من دخول مشافي الأراضي المحتلة لمواصلة العلاج.
أمام البوابة الفاصلة بين قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 48، يقف الطفل محمد عاكف وهو بعمر الخمس سنوات، يهم بالاستعداد للمغادرة لإكمال علاجه، لكن الاحتلال أوقف كلا والديه ومنعهم من مرافقة الطفل المريض.
نقص 60%
"لأسباب أمنية" هكذا يتذرع الاحتلال بمنع المرافقين من مصاحبة أبنائهم المرضى، تماماً كما يمنع عنهم الأدوية عمداً، كلها في سبيل عقابهم بمعية مفروضات الحصار على القطاع.
ويضطر آلاف الفلسطينيين المرضى إلى التوجه نحو المستشفيات في القدس أو الضفة الغربية، أو إسرائيل عبر معبر بيت حانون (إيريز) الخاضع للسيطرة "الإسرائيلية"، بعد حصولهم على تحويلة طبية تصدرها دائرة العلاج بالخارج التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية (في رام الله) ويجري على أساسها الترتيب بين الارتباط المدني الفلسطيني و"الإسرائيلي".
بنحو 50إلى 60% من مرضى السرطان يحتاجون للعلاج خارج القطاع، خاصة لتلقّي العلاج الإشعاعي والكيماوي والمسح الذري، غير المتوفر في غزة".
وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، حذرت من التداعيات الصعبة التي يتكبّدها المرضى، جرّاء نقص الأدوية والمستهلكات الطبية، ما يدعو لموت المرضى بمضاعفات قابلة للعلاج.
وقال محمد أبو ندى، مدير مستشفى الرنتيسي، خلال مؤتمر صحفي "إن نقص نحو 60 بالمئة من الأدوية والبروتوكولات العلاجية الخاصة بمرضى السرطان يعدّ مؤشرا خطيرا أمام فرص علاجهم".
وأوضح أن وزارته تواجه تحديات كبيرة "في تقديم الخدمات الصحية لمرضى السرطان جراء نقص الأدوية والمستهلكات الطبية والتجهيزات الطبية المطلوبة"، كونها "الجهة الوحيدة المختصة برعاية مرضى الدم والأورام بغزة".
وطالب المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل "لرفع قيودها وتسهيل حركة المرضى ووصولهم للمستشفيات التخصصية خارج قطاع غزة".
أزمة مزمنة
قطاع الصحة في غزة يعاني بالفعل من "أزمة مزمنة" ونقص في الكوادر الطبية والأجهزة والمستلزمات، وفوق ذلك كله، كانت غزة تمر بموجة ثانية من كوفيد-19 في ظل أعمال العنف الأخيرة، بحسب منظمة الصحة العالمية.
رئيس فريق الطوارئ ومنسق القطاع الصحي في منظمة الصحة العالمية في غزة، د. عبد الناصر صبح، قال إن غزة تعاني مزيدا من النقص، ووصل نقص الأدوية في غزة إلى 50 في المائة من القائمة الأساسية، أي أن هناك 50 في المائة من 516 صنفا من الأدوية الأساسية في قطاع غزة كانت غير متوفرة، بالتالي الكم الكبير من المرضى يعانون من هذا النقص.
وتابع الطبيب صبح بقوله إن الحاجة إلى إدخال الأدوية والمستلزمات سواء من المانحين أو المنظمات الإنسانية أو من وزارة الصحة في رام الله هي حاجة مستمرة، وتخضع لعمليات تنسيق وعبور وتستغرق وقتا وجهدا لإدخالها، والآن غزة في حاجة ماسة لمزيد من المواد حتى تدخل إلى القطاع دون أي عائق.
مركز "حماية" لحقوق الإنسان أعرب عن قلقه الشديد إزاء النقص الحاد في كميات وأنواع الأدوية والمستلزمات الطبية في مستشفيات قطاع غزة.
وحذر مركز "حماية" في بيان صحفي، من تداعيات هذا النقص على المرضى، لا سيما أصحاب الأمراض المزمنة.
وطالب مركز "حماية" المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ خطوات ملموسة وعاجلة من شأنها وقف الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لحقوق الشعب الفلسطيني لاسيما الحق في الصحة.
كما وطالب منظمة الصحة العالمية والوكالات والمنظمات المتخصصة بتقديم الدعم لقطاع الصحة في قطاع غزة ليتمكن من تقديم الخدمات الصحية بشكل مناسب للسكان.
ودعا "حماية" هذه المؤسسات والمنظمات لاتخاذ التدابير الفورية اللازمة لإنقاذ مرضى الكلى والعمل الجاد من أجل إدخال هرمون "إريثرو بيوتين" والأدوية اللازمة لضمان عدم تعريض حياتهم لخطر الموت.
وكان مدير عام مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة محمد أبو سلمية، أكد على نفاذ هرمون "إريثرو بيوتين" اللازم لتقوية الدم وهو خاص بمرضى غسيل الكلى بشكل كامل.
وأشار أبو سلمية إلى أن نفاذ هرمون "إريثرو بيوتين" من مستودعات وزارة الصحة دفع الأطباء في القطاع إلى اللجوء إلى بدائل مؤلمة جداً للمرضى عبر نقل الدم المستمر لهم، "وهذا يشكل خطورة على حياتهم، لكنه البديل الوحيد لنفاذ الهرمون".

