من داخل بيوت صدّرت الشهداء تتوقد القلوب يوماً بعد يوم، مع استمرار حرمانها من رهبة اللحظة الأخيرة من حياة قطعة من روحهم، أقصى الأمنيات التي يرسمها ذلك البيت هو لحظة عناق أخيرة، همسة الوصية في أذن الشهيد، وهيبة حمله فوق الأكتاف نحو مثواه الأخير، ويهرول خلف الأحباب والأصحاب والجيران ومعارف الشهيد.
تبقى القلوب مشتعلة كأنها تنتصب فوق موقد من نار، حتى يأذن الاحتلال بالإفراج عن جثمان الشهيد المتجمد بعد احتجازه لسنوات داخل ثلاجات الموتى القارسة دون أسباب سوى افتعال أذية، وتبقى البيوت على أهبة الاستعداد لفتح أبوابها لتكون بيت عزاء مرتقب.
آخر الشهداء المفرج عنهم من بين الجثامين المحتجزة كان لطفل يبلغ من العمر خمسة عشر عاما، بعد شهر ونصف من قتله عمداً دون أسباب أو تهم موجهة في بيت جالا بالضفة المحتلة.
وفتح بيت العزاء في بيت الطفل الشهيد أمجد أبو سلطان من جديد، بعدما حصلت هيئة شؤون الاسرى على قرار قضائي بتسليمه بعد ان تقدمت بالتماس بهذا الشأن.
جسد متجمد وسط بيت أطفئت قناديل أضوائه، وعائلة بأكملها تقف بذهول على بعد أمتار من الحسرة وهول الفقد، والجماهير تتهافت مجدداً امام بيت الشهيد كأنما ارتقى للتو.
نحو ثمانين جثماناً يقبع داخل ثلاجات باردة جداً لدى قوات الاحتلال، يبقي عليها الاحتلال حتى وهي بلا حراك وصارت مجرد أجساد لا عمل لها سوى أنها مارست "الإرهاب" على حد زعم الاحتلال.
وحسب المعطيات الفلسطينية فإن الاحتلال يحتجز أكثر من تسعين جثمانا من جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب بما في ذلك جثامين ثمانية أسرى استشهدوا داخل سجون الاحتلال جراء سياسة الاهمال الطبي من جانب، وسياسة القمع والتعذيب من جانب آخر.
احتجاز الاحتلال الإسرائيلي لجثامين الشهداء سواء في مقابر الأرقام أو داخل الثلاجات الاحتلالية، فإن هذا الأمر يعد من أبشع الجرائم والتي تعد وفق الاعراف والقوانين الدولية جرائم حرب، يقدم مرتكبوها ومنفذوها الى محكمة الجنايات الدولية لينالوا العقاب على انتهاكاتهم لجثامين الشهداء.
90 شهيد
مدير مركز القدس للمساعدة القانونية عصام العاروري المتحدث باسم الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء قال إن "من بين 90 شهيدا تحتجز إسرائيل جثامينهم، هناك 3 أمهات و9 أطفال بعضهم لم يبلغوا الحلم، و8 جثامين لأسرى استشهدوا داخل السجون".
وقال العاروري إن بعض من أعلن الاحتلال استشهادهم "شوهدوا آخر مرة وألقي القبض عليهم أحياء (...) وينطبق عليهم تعريف الإخفاء القسري"، مشيراً إلى اعتزام الحملة "رفع قضايا قضائية تطالب بالكشف عن مصير أبنائها".
وتقول الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، إن إسرائيل تحتجز جثامين 89 شهيدا، في الثلاجات، و253 آخرين، في مقابر خاصة.
من جهته قال محمد عليان والد الشهيد بهاء عليان (استشهد عام 2015)، في كلمة خلال الوقفة، إن القوة الوحيدة التي تفرض على الاحتلال الإفراج عن جثامين الشهداء هي "الشارع والنزول إلى الميدان".
الجدير بذكره أنه وفي 2019 أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية احتجاز الجثامين، لاستخدامها ورقة مساومة مستقبلا، بغرض مبادلتهم مع أسرى إسرائيليين تحتجزهم حركة "حماس" في قطاع غزة، منذ 2014.

