"داخل إطار صورة، يقف طفل صغير وبيده حجر يكبر كفة يده بقليل، ويصُد بجسده تقدم دبابة ضخمة تجاه مخيمه، فنالت الأخيرة منه وأردته شهيداً"، هذا المشهد واحد من أغلفة انتفاضة الحجارة التي تحمل اختصارات الانتفاضة الشعبية عام87.
8/12" أشعلناها بادينا" بدأت شعلة انتفاضة الحجارة من ذلك الكف الذي يمسك بالحجر، تجلى الشعب الفلسطيني فيها كالبنيان المصفوف في تصديه للاحتلال المدجج جنوده بالأسلحة، يقاوم يطارد وينفذ العمليات الفدائية بثوب وطني فلسطيني ثائر.
"انتفاضة الحجارة" المحطة الأولى والكبرى التي فجر فيها الشعب الفلسطيني ثورته ضد الاحتلال الإسرائيلي، بعد احتلال العصابات الصهيونية لبقية الأراضي الفلسطينية في الـ 5 من حزيران/ يونيو 1967، حتى وصل عدد شهدائها لـأكثر من1300 شهيد و90 ألف جريح.
الحدث الذ أشعل الفتيل كان سببه الاحتلال بعدما نفذ جريمة بشعة بحق أربعة عمال فلسطينيين، قضوا جراء حادث سير "متعمد" وقع بين سيارتهم ومقطورة (إسرائيلية) خلال عودتهم من العمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
الشعب الفلسطيني بثورته التي امتدت إلى الشوارع والأزقة والبيوت والعمارات السكنية خيب ظنون الاحتلال الذي اعتقد بأنها مجرد رد عابر على جريمة مؤقتة، حتى اخترقت كلمة "انتفاضة" القاموس العربي وقواميس اللغات الأخرى من حيث ترجمتها لتأخذ والأحداث ضجة إعلامية كبيرة، لا سيما في الإعلام الغربي رغم محاولة الاحتلال التعتيم عليها.
أصابت الانتفاضة الشعب الفلسطيني بالعدوة الثورية، ما صعب الطريق على الاحتلال في الإمساك بزمام الميدان وإحكام السيطرة عليه، فاتسعت ساحة الاشتباك المباشر مع الاحتلال في كافة مدن وقرى فلسطين.
وبالرغم من الثمن الباهظ الذي دفعه الفلسطينيون في هذه الانتفاضة إلّا أنها شكّلت حالة فريدة في الاستنهاض الشعبي لمواجهة المحتل، وإعادة البوصلة نحو حقيقة الصراع مع المحتل، في ظل حالة من التوحد والتكاتف الشعبي غير المسبوق رغم تباينات المواقف واختلاف المشارب الفكرية.
وظهرت خلال هذه الانتفاضة الأذرع العسكرية للفصائل الفلسطينية بمسمياتها الجديدة، ونفذت سلسلة عمليات فدائية من خلال إطلاق الرصاص والكمائن، وكذلك عمليات التفجير والتي أسفرت عن مقتل العشرات من جنود الاحتلال.
وحينما أدركت سلطات الاحتلال أن استخدام القوة لن يجدِي نفعاً في إيقاف الانتفاضة، لجأت إلى "الحل السلمي" ففتحت خط مفاوضات مباشرة مع منظمة التحرير، مما تسبب في انقسام في المجتمع الفلسطيني.
أسفرت المفاوضات عن توقيع اتفاق "أوسلو" بين منظمة التحرير والحكومة الإسرائيلية يوم 13 أيلول/ سبتمبر 1993، والذي ينص على تأسيس السلطة الفلسطينية، التي تم تشكيلها بعد 6 أشهر، وبسط نفوذها في قطاع غزة ومدينة أريحا، وإدخال قوات الأمن الوطني الفلسطيني، وتشكيل الأجهزة الأمنية، وخروج قوات الاحتلال من داخل المدن وانتشارها على الحدود، وبقائها في المستوطنات، وتخمد بذلك الهبة الجماهيرية الكبيرة لتطوى صفحة "انتفاضة الحجارة".

