في مثل هذا اليوم قبل ثلاثة عشر عاما، في تمام الساعة الحادية عشر وسبع وعشرين دقيقة صباحاً من يوم السبت الموافق السابع والعشرون من شهر ديسمبر عام 2008، انقضّت أكثر من ثمانين طائرة حربية "إسرائيلية" بصواريخها المتفجرة فوق المقار الأمنية والمدنية، وأوقعت خلال لحظات مئات الشهداء في مجازر دامية لا تنسى.
على أرصفة الطرقات زاحمت الجثث المتناثرة طلبة المدارس الفارين من أهوال يوم عظيم، اعتدال الطقس يومها لم يعف الغيوم السوداء من التكاثف فوق سماء القطاع من شماله حتى جنوبه، بعد إمطار الطائرات الحربية كل ما هو حي بالصواريخ القاتلة.
مشاهد جريمة حرب أسماها الاحتلال بـ"الرصاص المسكوب" لا ينساها الأطفال والكبار، فقد أحدثت شرخاً فارقاً في تاريخ الذاكرة الفلسطينية، وسكب الاحتلال رصاصه المذوّب بدرجات مشتعلة من نيران الحقد والكره والإرهاب على رأس غزة بمن فيها من أحياء.
أسماء الشهداء كانت تصدر في وسائل الإعلام على شكل قوائم طويلة لا انتهاء لآخرها، فكل الأسماء المذاعة هي للشهداء الحضور ممن نجح الشارع بالتعرف إليهم، وتطول القائمة بأسماء لم يتعرف إليهم الشارع بعد، وكل غائب يومها فهو إما شهيد أو حريج بالغ الإصابة.
أسفرت حرب الفرقان إلى استشهاد 1417 فلسطينيًا على الأقل (من بينهم 926 مدنيًا و412 طفلًا و111 امرأة) وإصابة 4336 آخرين، بالإضافة الى استهداف منازل سكنية وجامعات ومستشفيات ومقار مدنية لا علاقة لها بأعمال المقاومة.
محرمة دوليا
حسام الدجني الكاتب الفلسطيني قال إن الاحتلال استخدم في هذه الحرب سلاح محرم دوليا، وهو الفوسفور الأبيض، وعندما نذكر هذا السلاح نتذكر مجازر عديدة أهمها مجزرة مدرسة الفاخورة في مخيم جباليا، ومجازر أخرى قضت على عائلات بأكملها.
وأضاف الدجني أن المقاومة عملت في هذه الحرب بحنكة في امتصاص الضربة الأولى ونتائجها وأثرها النفسي وأطلقت خلال عملياتها حربًا نفسية مقابلة تهدف إلى رفع معنويات الشعب الفلسطيني وضرب معنويات العدو مثل: عملية توسيع رقعة الزيت أي القصف لمدى أبعد.
وعبر الدجني :"زال غبار الحرب، وذهب تقرير جولدستون أدراج الرياح، ولم يحاكم أحد من الاحتلال، وبقي الألم يعتصر قلوب الفلسطينيين، والإصرار على مقاومة الاحتلال، بينما ولدت تهدئة جديدة برعاية مصرية لم تنفذ "إسرائيل" أي من بنودها، سوى وقف القتال".
وغنمت خلالها المقاومة أسرى إسرائيليين جدد يمثلون اليوم أملا كبيرا لنحو 6500 أسير فلسطيني وأسيرة فلسطينية يقبعون في سجون الاحتلال، ينتظرون لحظة إتمام صفقة جديدة تهديهم حريتهم المسلوبة إلى الأبد.
حتى أنجزت مع مقاومتها صفقة تاريخية عام 2011 بخروج 1047 أسيراً مقابل الجندي الأسير جلعاد شاليط، وأجبرت على الدخول مرة أخرى في حرب جديدة عام 2012 عقب اغتيال قائد أركان المقاومة أحمد الجعبري، وفيه أسقطت المقاومة أعمدة هامة في نظرية الأمن الصهيوني بقصفها لمدينة "تل أبيب".
وألحق الاحتلال بالحصار والحملة الجوية الشرسة، هجوماً برياً واسعاً قطّع أوصال قطاع غزة وتسبب بهجرة داخلية وتدمير آلاف المنازل وتجريف أراضٍ زراعية، ونسف البنى التحتية، لكن هذه الحرب لم تنل من غزة ولم تحقق أهدافها التي قامت من أجلها.

