يتطاول العالم العربي في بنيانه، ويتوسع العالم الغربي بأفق تطوره وتقدمه، وتعود البقعة الصغيرة –قطاع غزة-المحكومة بالحصار منذ أكثر من خمسة عشر عاماً لنقطة الصفر بعد الإطاحة ببنيتها التحتية، فتحولت أبراجها العالية لأكوام من الحجارة المدمرة، وتشرد مئات الآلاف خلال العدوان الأخير من شهر مايو عام2021 من بيوتهم.
وأما وقد بدأ العام الجديد 2022، فقد علق الفلسطينيون المنكوبون أحلامهم وآمالهم على إعادة إعمار بيوتهم، وأعلنت العائلات المشردة بين منازل الإيجار عن أولى أمنياتها بعيش حياة كريمة مستقرة.
ربما البيوت الجديدة –المعاد إعمارها-لن تعوّض أصحابها عن قائمة من التفاصيل التي لا يمكن استعادتها مهما بلغت سرعة إنجاز البناء، فكل زاوية تحمل بين طياتها ذكرى ومناسبة وصورة ومشهد وحدث، فهي ليست جدران فحسب.
أكثر من 1800 وحدة سكنية غير صالحة للسكن، و1000وحدة سكنية هدم كامل، في حين تعرضت خمسة أبراج سكنية تتوسط مدينة غزة للهدم الكلي، وفق إحصائية وزارة الأشغال العامة والإسكان.
مع بداية العام الجديد، لا حلم يراود المشردين سوى بيت آمن يملكه أصحابه، عوضاً عن أيام امتلأت الحرب الممتلئة بالأحداث الحزينة والفقدان الأليم، وهو أقصى أمنيات العام.
دمر الذكرى والجدران
في إحدى العمارات السكنية التي دمرها الاحتلال، والمكونة من سبعة طوابق، تشمل اثنين وأربعين شقة، كانت تسكن عائلة اليازجي معتقدة أنها في أمان، ثم في لمح البصر تحول منزلها إلى حطام من الحجارة، في "غمضة عين" وأضحى أحيائه شهداء إلا من خلص بإصابة وبقي على قيد الحياة.
تبعثرت العائلة مع الحجارة، وبقي من بقي حياً، فأمام الأحياء مشوراً طويلا من المكابدة مع الحياة التي بدت وكأنها بلا ملامح وبلا معنى، إلا أن المشوار حتماً سيكون مستمراً مهما بدا ذلك صعباً.
المواطن محمد اليازجي (40 عاماً) الذي اضطر لاستئجار شقة بسعر باهظ في ذات الوقت الذي فقد فيه عمله، وبعد أن تعرضت شقته ذات المساحة (160) مترا مربعا إلى هدم كلي في العدوان الأخير على القطاع.
ويعيل اليازجي المتعطل عن العمل منذ عدة سنوات أسرة من تسعة أفراد، بينهم طفل يبلغ ثلاث، وهو مصاب بجروح بالغة جراء العدوان.
وتقطن عائلة سعدة المكونة من خمسة وعشرين فرداً في إحدى العمارات السكنية التي تحوي شقق للإيجار، لكنها تستقر في شقة سكنية واحدة لصعوبة الأوضاع المادية، ما يضطر العائلة للاستقرار في شقة سكنية صغيرة تمهيداً لانتقالها لبيتها الأول.
تشهد البيوت المستأجرة أعداداً كبيرة من أفراد العائلة الممتدة، للاختصار بأكبر قدر ممكن من المصروفات اللا محدودة، وفي محطة سريعة –وفق اعتقادهم-ستمر دون تضييع وقت، لكن عائلة اليازجي كباقي العائلات المدمرة بيوتها تشكو تأخير العملية.
وأعلنت العائلات المدمرة بيوتها عن آمالها وأحلامها ومطالبها بإعادة بناء بيوتها المدمرة مطلع العام الجديد، وهي أقصى أمنيات العام وأبسطها أيضا على صعيد حياة بسيطة بعيدة عن العوز.
انطلاقة جديدة
ناجي سرحان، وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة، قال إن عام 2022 سيشهد انطلاقة جدية في ملف إعادة إعمار قطاع غزة، مرجحًا أن تعلن الكويت قريبًا عن منحة جديدة لإعمار القطاع، بالإضافة إلى المنحتين القطرية والمصرية.
وأضاف سرحان في تصريح له لـ"شهاب"، :"بدأنا في عملية تعويض المنازل المتضررة بشكل جزئي من خلال (الأونروا) ومؤسسات أخرى، كما نتوقع بدء إعمار المنازل المدمرة بشكل كامل خلال شهر يناير الجاري عبر وكالة الغوث أيضًا، بتمويل من المنحة القطرية".
وأوضح سرحان أن وزارته تضغط على المصريين والقطريين حتى تكون الأبراج على رأس الأوليات، معبرا عن أمله في أن يبدأ البناء خلال العام الجاري سواء الأبراج التي دمرت خلال المعركة الأخيرة أو التي دمرت في السنوات الماضية.
وحول المدن المصرية المنوي تدشينها في غزة، قال سرحان "طرحنا مناقصات المدن المصرية الثلاث المنوي تنفيذها بمنطقة المدرسة الأمريكية شمال القطاع، ونتوقع أن تبدأ أعمال البناء خلال شهر يناير الجاري، بالإضافة إلى دراسة مخططات عدد من الكباري، في مناطق الشجاعية ومنطقة السرايا مع دراسة بدائل لها".
وقال "لدينا منحة قطرية بـ 500 مليون دولار وأخرى مصرية بـ 500 مليون دولار، كما نتواصل مع الأشقاء في الكويت حاليًا، للدخول مرة أخرى على خط الإعمار، ونتوقع أن تعلن الكويت قريبًا عن منحة جديدة للقطاع، مقدراً أن قطاع غزة بحاجة إلى 3.8 مليار دولار حتى يخرج من الضائقة الحالية.
وأشار سرحان إلى العديد من المشاريع الاستراتيجية المخطط تنفيذها في قطاع غزة، من بينها شارع "الكورنيش" من منطقة السودانية حتى الواحة شمال قطاع غزة، والذي سيمتد حتى بيت لاهيا شمال القطاع، بتمويل من المنحة المصرية.

