أمام حاصل صغير يقع أسفل بناية سكنية في معسكر الشاطئ للاجئين الفلسطينيين بغزة، توقف الشاب الثلاثيني فارس سليمان والأمل يحذوه في تعبئة نصف إسطوانة غاز لديه، أعلنت انتهاؤها بشكل مفاجئ، وما إن وضع قدماه على مدخل المكان حتى صعق بوجود عدد من الأنابيب المتراصة بجانب بعضها في مكان ضيق جداً.
قلق كبير اعترى الشاب سليمان، فأي خطأ بسيط من عود كبريت أو إشعال سيجارة، قد يحول المكان إلى أشبه بقنبلة موقوتة يدفع ثمنها مواطنين وضحايا لا حصر لهم، جراء تلاصق المنازل السكنية في المخيم والازدحام الكبير.
يقول سليمان في حديث لـ"الرأي":" انتظرت دقائق معدودة، وعيناي ترقب الأنابيب الكبيرة والصغيرة في المكان، وأنا أحدث نفسي ماذا يمكن أن يحدث لو صار كذا وكذا، حتى أوقف تفكيري ذلك الصوت القادم من الرجل بعد أن قام بتعبئة نصف الأسطوانة في الداخل، ومن ثم عاد بسرعة".
إقبال رغم الخطر
ويقبل الكثير من المواطنين على تعبئة أسطوانات الغاز الفارغة رغم الخطر الشديد الذي تشكله على حياتهم، إلا أن الحاجة والضرورة تدفعهم لذلك، في حين يقوم البعض بتعبئة كميات بسيطة من الغاز حسب ما تسمح به إمكانياتهم المادية.
ويؤكد سليمان أن الأوضاع المادية لا تسمح له بتعبئة أسطوانة غاز كاملة، في حين أنه سوف يضطر إلى الانتظار يومين على الأقل من أجل الحصول على الأنبوبة من الموزعين، لكن التعبئة من خلال هذه النقاط العشوائية أكثر سهولة ولا يكلف وقتاً كثيراً.
ولا ينطبق هذا القول على سليمان فقط، فالعديد من الأهالي أجبرتهم الظروف الاقتصادية الصعبة على التعبئة من خلال تلك النقاط، كسباً للوقت وللحاجة الضرورية، فوجود الغاز لدى العائلات بمثابة روح المنزل، خاصة لدى العائلات الممتدة.
أم محمد جبر، كانت من ضمن العائلات التي تقوم بتسليم أنبوبة الغاز للموزعين الرئيسيين، لكن اضطر زوجها مع قلة العمل إلى التعبئة من نقاط عشوائية، خاصة أنه لا يمكن الاستغناء عن الغاز في المنزل يوم واحد.
تقول أم محمد لـ"الرأي":" كنا نقوم بتعبئة الأسطوانات من أحد المحال القريبة" عبارة عن حاصل صغير، لكن فوجئنا بأنه تم إغلاق المكان واعتقال صاحبه"، موضحة أنهم اضطروا للتعبئة الفورية من مكان آخر، حسب ما تقتضيه امكانياتهم.
وتؤكد أم محمد أن أبناؤها يقومون بتعبئة 2 كيلو أو 3 كيلو من الغاز، فالظروف لا تسمح بتعبئة أسطوانة كاملة، وهذا الأمر غير مسموح به لدى الموزعين أي في المحطات الرئيسية.
تهديد لأمن وسلامة المواطن
ويقول مدير إدارة الأمن والسلامة في الدفاع المدني بغزة، محمد المغير:" إن عملية التفريغ خطيرة جداً، حيث يمكن من خلالها تسريب وحدوث انفجارات وحرائق تهدد أمن وسلامة المجتمع في المناطق السكنية".
ويضيف في حديث لـ"الرأي":" إن القانون الفلسطيني نظم عملية تفريغ الغاز في محطات الغاز وهي المنشآت المرخصة، والتي لها اشتراطات سلامة ووقاية بعمليات معقدة لتعزيز وسائل الحماية للمواطنين".
حملات مكثفة
وينفذ الدفاع المدني قسم الأمن والسلامة، حملة تستهدف نقاط الغاز العشوائية التي يتم فيها تجميع أسطوانات الغاز ذات سعة 48 كيلو وتفريغها في أسطوانات صغيرة بحجم 12 كيلو أو أقل، الأمر الذي يشك خطراً على المواطنين.
وستستمر الحملة وفق حديث المغير، حتى القضاء بشكل كامل على هذه الظاهرة، وتسوية وضع كافة موزعي الغاز، ضمن النظام والقانون الفلسطيني، وهو القانون الذي أقرته الحكومة بغزة.
ووفق ما ذكره مدير إدارة الأمن والسلامة، فإن المديرية العامة للدفاع المدني عملت بالتنسيق مع وزارة الحكم المحلى والهيئات المحلية على حملة لضبط النقاط العشوائية التي تشك خطراً وتهديداً لحياة المواطنين والسكان.
وفي منطقة الشمال قامت المديرية العامة للدفاع المدني بالشراكة مع البلديات بتحرير 33 مخالفة عشوائية ومحضر ضبط، وإغلاق نقاط عشوائية وتم إحالتها للنيابة العامة.
وفي محافظة غزة، تم تحرير 110 محضر إغلاق لنقاط غاز عشوائية، تلا ذلك تحرير محضر إغلاق لمخالفة أوامر لأصحاب نقاط عشوائية وعددها 55، وسحب 45 جهاز تفريغ غاز وما زالت الحملة جارية لمتابعة وسحب الأجهزة وملحقاتها والتي تشكل خطورة على حياة المواطنين.
أما في منطقة الوسطى والحديث للمغير، فقد عملت المديرية العامة للدفاع المدني بالتنسيق والتشاور مع الهيئات المحلية في بلدية النصيرات والزهرة والبريج والمغازي، وقد استمرت الحملة عدة أيام، وتم ضبط العديد من الأجهزة وما زالت الحملة مستمرة.
وفي محافظة خان يونس، تم تحرير محاضر ضبط وإغلاق نقاط غاز عشوائية في الجولة الأولى والثانية، ما يقارب من 17 نقطة غاز، وجاري المتابعة مع النيابة العامة.
وفي محافظة رفح أيضاً، تم ضبط 4 نقاط عشوائية كانت تخزن كميات كبيرة من الغاز، ولكن لم يتم ضبط أجهزة نظرا لوقوع المحطات في أماكن حركة المواصلات الخاصة بالمواطنين، وصعوبة الوصول إليها وبالتالي لا توجد ظاهرة لوجود النقاط العشوائية برفح.
خطر يهدد السكان
بلدية غزة هي الأخرى، أكدت أنها تتعامل بحزم مع ظاهرة نقاط الغاز العشوائية في المدينة كونها تشكل خطرًا على حياة المواطنين وممتلكاتهم، خاصة أن معظمها يعمل بشكل غير معلن في قلب المناطق السكنية.
وذكرت البلدية أنها تعمل جاهدةً على تنظيم كافة نقاط الغاز في مدينة غزة، مطالبة أصحابها بتسوية أوضاعهم القانونية مع كافة الجهات ذات العلاقة.
وقاللت البلدية في بيان لها:" إن أي حادث صغير قد يقع في أي محطة عشوائية في المناطق السكنية قد يؤدي لوقوع كارثة، خاصة أن الأجهزة والطرق المستخدمة بدائية لا تراعي إجراءات السلامة والأمان".
وشددت على أن الحملات مستمرة، ولا يمكن التهاون مع هذه النقاط التي تعرض حياة الناس للخطر، خاصة أن ثمة العديد من الحوادث المميتة وقعت بسببها، مؤكدة على ضرورة تعاون المواطنين، وإبلاغهم عن نقاط تعبئة الغاز غير المرخصة.
وأشارت البلدية إلى إغلاق نحو 105 نقاط غاز عشوائية بشكل إداري، ومصادرة أجهزة التعبئة والموازين والأسطوانات، وتوجيه إخطارات لأصحاب هذه النقاط العشوائية، وتحويل بعض الملفات لجهات الاختصاص لاتخاذ المقتضى القانوني بحق المخالفين.
ودعت البلدية كافة المواطنين إلى أهمية الإبلاغ عن أي محطة عشوائية داخل المنازل أو في المناطق السكنية، كونها تشكل خطراً شديداً على حياتهم في أي لحظة.

