داخل زنازين السجن الضيقة البالية، التي أكلت جدرانها الرطوبة العالية، تتضاعف معاناة الأسرى الفلسطينيين يوماً بعد يوم، تحديداً مع الأسرى المرضى الذين تنفذ فيهم مصلحة السجون أحكام الإعدام بطريقة غير مباشرة من خلال الإهمال الطبي المتعمد، وتركهم فريسة للأمراض تنهش أجسادهم واحداً تلو الآخر.
أكثر من 15 أسير قضوا شهداء داخل سجون الاحتلال جراء مواصلة سياسة الإهمال الطبي بحقهم، وعدم الاكتراث لأوضاعهم الصحية التي تتفاقم يومياً، وتركهم عرضة للأمراض المزمنة، كان آخرهم الأسير الشهيد سامي العمور.
أمراض شتى
أسرى كُثر وصلوا حافة الموت على أسرة مشافي الاحتلال دون مراعاة لأوضاعهم الانسانية، أمثال الأسير كايد الفسفوس وهشام أبو هواش، وكانوا شواهد على بشاعة الاحتلال، فيما يقبع الأسير ناصر أبو حميد (49 عاماً) من مخيم الأمعري بالبيرة، في حالة غيبوبة منذ 12 يوماً، بعد إصابته بالتهاب حاد في الرئتين، نتيجة تلوث جرثومي.
وتنتشر الأمراض في صفوف الكثير من الأسرى، كالالتهابات والأزمات الصدرية والأمراض الجلدية وأمراض العيون وقرحة المعدة والبواسير، وانتفاخ البطن، وأيضا الأمراض المزمنة والناتجة عن الإصابة بالرصاص قبل الاعتقال، أو التعذيب بعد الاعتقال وبقائها دون علاج ودون رعاية صحية.
ويتعرض الأسرى للإهمال الطبي، وعدم توفير الأدوية والعلاج اللازم للمرضى منهم، بل الاكتفاء بالمسكنات وغالباً يحصلون فقط على مسكن الأوجاع الأكامول بديلا عن الأدوية والعلاجات الحقيقية.
600 أسير مريض
مدير دائرة الإعلام في وزارة شؤون الأسرى والمحررين بغزة، إسلام عبده، أوضح أن عدد الأسرى المرضى وصل إلى نحو 600 أسير مصابون بأمراض مختلفة، وهم بحاجة لعمليات جراحية عاجلة، مؤكداً أن كل تأخير هو بمثابة تغلغل للمرض في جسد الأسير، وبذلك يصبح من الصعب تقديم العلاج والرعاية الطبية له.
وقال عبده في حديثه لـ"الرأي":" هناك أسرى مرضى مصابون بالسرطان وصل عددهم 12 أسير، فيما يوجد أسرى يقيمون بشكل دائم فيما يسمى بعيادة سجن الرملة وعددهم ما يقارب من 18 أسير"، لافتاً إلى أن هناك أيضاً نحو 45 أسير من ذوي الإعاقات يحتاجون إلى كراسي وعكاكيز من أجل الحركة والتنقل.
الأرقام القاسية للأوضاع الصحية للأسرى لا تتوقف هنا، حيث هناك أسرى مصابون بأمراض مزمنة، مثل الضغط والسكري والقلب وهم بحاجة لفحوصات دائمة ورعاية طبية، وعلاجات خاصة بهم.
إعدام صامت
واقع صعب يعيشه الأسرى، حيث يشكل الإهمال الطبي والحديث لعبده، أحد أخطر الملفات التي تمارس على الأسرى، بالنظر إلى الواقع الذي يعيشه الأسرى داخل السجون، حيث يترك الأسير عرضة للأمراض تنهش جسده حتى يستفحل المرض به، ويصبح من الصعب بعدها تقديم الرعاية والعلاج الازم له.
الوصفة السحرية دائماً والتي يستخدمها الاحتلال لإسكات الأسرى هي حبة الأكامول لجميع الأمراض التي يعاني منها المرضى في السجون، دون إجراء فحوصات أو عمليات جراحية.
ووفق ما ذكره عبده، هناك أكثر من 170 أسير بحاجة إلى عمليات جراحية عاجلة، وكل تأخير هو بمثابة ازدياد خطورة على واقع الأسرى وحياتهم وظروفهم الصحية.
وأكد عبده أن الاحتلال يتعمد استخدام هذه الوسيلة بالنظر إلى السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن هناك ارتفاع في أعداد الأسرى المرضى، فيما يوجد أكثر من 15 عشر شهيداً ارتقوا داخل السجون بسبب الاهمال الطبي.
ومن الأسرى المرضى الذي استشهدوا داخل سجون الاحتلال، الأسير الشهيد سامي العمور الذي لم يكن يعاني من أية أمراض، وكمال أبو وعر وعزيز عويسات وسعد الغرابلي، وميسرة أبو حمدية وداوود االخطيب، وهؤلاء جميعهم أُستشهدوا جراء ممارسة الاعدام الصامت بحق الأسرى.
جرائم متواصلة بحق الأسرى
وحول الظروف الصحية للأسير ناصر أبو حميد، أضاف عبده:" الأسير أبو حميد هو ضمن هذه الحالات والجرائم التي تمارس ضد الأسرى، إلى جانب جريمة الاهمال الطبي المتعمد بحقه، وكان هناك تأخير واضح في نقله للمستشفى وتقديم العلاج له".
ولفت عبده إلى أن بيئة السجن بيئة حاضنة للمرض، وهذا بدا واضحاً من خلال الحديث عن إصابته بالتهاب رئوي حاد تسبب في تعطل رئتيه، وهو الآن يتواجد في مشفى إسرائيلي بعد أن أيقن الاحتلال بخطورة حالته دون السماح لمؤسسات دولية أو لعائلته، أو حتى الأطباء الفلسطينيين للاطمئنان على وضعه الصحي.
وتابع قوله:" ما يحدث بحق الأسير أبو حميد هو جريمة ضمن جرائم الاهمال الطبي تتحمل مسؤوليتها سلطات الاحتلال، وصمت المؤسسات الدولية هو بمثابة ضوء أخضر للاحتلال لارتكاب مزيد من الجرائم بحق الأسرى".
وأكد مدير الاعلام بوزارة الأسرى أن المطلوب بشكل عاجل تشكيل لجان تحقيق دولية للكشف عن ملابسات وظروف استشهاد الأسير سامي العمور، وكل الأسرى المرضى الذين استشهدوا مؤخراً، بالإضافة إلى الاطلاع على الوضع الصحي للأسير أبو حميد، وإجراء فحوصات طبية عاجلة للأسرى المرضى وتقديم الرعاية الصحية لهم، والاطلاع على مدى الظروف المعيشية للأسرى، موضحاً أن معظم السجون قديمة وبالية ومليئة بالرطوبة، وتساهم بحد كبير في معاناة الأسرى وإصابتهم بالأمراض.
ويقبع في سجون الاحتلال أكثر من 6000 ألاف أسير فلسطيني، يعانون من ظروف قاسية وصعبة في ظل استمرار الصمت الدولي على جرائم الاحتلال بحقهم.

