ذاك الظهر المنحني كان طوق النجاة الذي تعلق به الأطفال، وكان شراع النجاة الأول لكل طفل محاصر بالمياه التي غمرت أرصفة الطرق، فكل رجل نزل إلى ميدان العمل أجبرته الظروف أن يتقمص دور الأب وينشل كل طفل يبلغ طوله مقدار المياه التي غمرت الأعمدة وعجلات السيارات وأوقفت حركة السير ليومين.
طفت عدد من المشاهد الغارقة بمياه الأمطار لمناطق متفرقة في قطاع غزة، الأحياء السكنية المنخفضة عن سطح الأرض غمرتها المياه بطريقة أعدمت فيها حركة المركبات وسيارات النقل والسماح لطلبة المدارس بالعودة إلى بيوتهم.
الكميات الوفيرة من مياه الأمطار وشبع الخزان الجوفي من المياه صعّب استيعاب المزيد من كميات جديدة، ما أدى لارتفاع منسوب غرق البيوت المنخفضة، وأغلقت على إثرها منافذ البيوت والمدارس ومداخل أحياء بأكملها.
في هذه الأحداث الماطرة جداً والتي بدأت من صباح يوم السبت بنسبة مرتفعة جدا مقارنة بالأعوام الماضية، أظهرت طواقم البلديات بوجهها الإنساني في تدخلهم لإنقاذ الأطفال وطلبة من المدارس من مآزق الطرق المغمورة بالمياه.
شراع النجاة
وتصدر موظف البلدية "الإنسان" مأمون الشوا مشهداً إنسانياً بإنقاذه لطفلة من طلبة المدراس الحكومية الغارقة، ظهر في الصورة وهو يحملها فوق ظهره ويحاول نقلها إلى ضفة آمنة من مياه الأمطار، حتى وصلت التخمينات بأن الذي يحمل طفلة صغيرة فوق ظهره ليس إلا أباً للطفلة.
ولكن "الشوا" ظهر أخيراً بأنه موظفاً ضمن طواقم البلدية والذي حمل في صدره قلب الأب قبل أن يحمل قلب الموظف الجاد، في ذات الوقت تعددت الوجوه المماثلة من طواقم البلديات، والتي حذت حذوه في أداء دور إنساني خالص.
المكتب الاعلام الحكومي، بادر بتكريم الموظف ضمن فرقة الطوارئ التابعة لبلدية غزة، جراء جهوده الجبارة في العمل على انقاذ أطفال المدارس بسبب صعوبة الأجواء الشتوية والأمطار الشديدة التي تسببت في غرق معظم الشوارع المؤدية من وإلى المدارس الابتدائية في القطاع.
لم تبقى طواقم البلديات وحدها وسط ميادين الوسط الغارقة، إنما استجابت فرق الشباب التطوعية للانضمام لمؤازرة طواقم الدفاع المدني والبلديات، لأداء المهمة متكاملة دون نقصان، وانضمت المعدات والأدوات اللازمة لأداء المهمة الوطنية والإنسانية.
تكاتف جهود
الفرق الشبابية التطوعية الأربعين توزعت على عدد من مناطق قطاع غزة، وتقدمت لأداء خدماتها الإنسانية ولمساندة فرق الدفاع المدني وطواقم البلديات، في تكاتف مجتمعي وفي مهمة تولي اهتماما بالدرجة الأولى لأصحاب البيوت الغارقة بمياه الأمطار.
مدير الفرق التطوعية جمال العقيلي أكد على ضرورة تجسيد قوة النسيج الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني، للتخفيف من آثار المنخفض الجوي ومساعدة المتضررين، خاصة في المناطق المتضررة بسبب العدوان الأخير والمهدمة بيوتهم وتقديم المساعدة والإسناد لهم حتى نهاية المنخفض.
وقال العقيلي إن الفرق التطوعية باشرت عملها من خلال تنفيذ جولات ميدانية لتفقد أحوال المواطنين وحصر الأضرار وتقديم الخدمات المتعلقة بالتدفئة، إضافة إلى شفط المياه من عدد من المنازل التي تعرضت للغرق وتقديم مساعدات عينية ومواد غذائية للعائلات العالقة.
وساعدت الفرق التطوعية الشبابية أصحاب السيارات العالقة وإصلاح أعطالها، وتقديم خدمات الإسعاف لبعض الحالات الطارئة ونقل بعضها إلى المستشفيات وتوفير أغطية لأسطح منازل الصفيح في بعض المخيمات لمنع تسرب المياه الى داخل تلك المنازل.
رئيس الهيئة العامة للشباب والثقافة الأستاذ أحمد محيسن، قال: "منذ الساعات الأولى لبدء المنخفض الجوي أصدرنا توجيهات للمراكز الشبابية لاستنفار فرقها التطوعية المنتشرة في كافة محافظات قطاع غزة لتسخير كافة جهودها لخدمة أبناء شعبنا بكل الوسائل والسُبل الممكنة والمتاحة، ودعم واسناد طواقم البلديات والهيئات المحلية والدفاع المدني في مهامهم، للتخفيف قدر الإمكان من الأثار المترتبة على المنخفض وتقليل الأضرار".
وأضاف محيسن أن العمل التي قدمته المراكز الشبابية والمتطوعين والمجموعات الكشفية والوزارات المختصة والشرطة والدفاع المدني وطواقم البلديات والجمعيات الخيرية مبعث فخر واعتزاز، مؤكداً على أن الشعب الفلسطيني موحد ومتماسك في مواجهة الأزمات والطوارئ، ويضرب أروع دروس التكافل والتعاضد الاجتماعي.
لجنة الطوارئ في بلدية غزة قالت إن هبوطاً حدث في أربع مناطق في شارع جمال عبد الناصر "الثلاثيني" مقابل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) وهي المنطقة التي تعرضت للعدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، والتي تم صيانتها بشكل أولي ومؤقت بعد توقف العدوان الإسرائيلي الذي تعرض له قطاع غزة في شهر مايو من العام الماضي، وكانت قد حذرت مسبقاً من خطورة تأخر إعادة الإعمار.

