على مدار الساعة اتخذت عائلة صالحية من سطح منزلها مقراً لها، لتبقى على مرأى من الصمود والثبات والإصرار في وجه قرار الاحتلال الجائر بتسليم البيت وإخلائه لصالح الجماعات الصهيونية، فكان حي الشيخ جراح ملبياً لنداء العائلة بإسنادها ورفض القرار.
انسحب الاحتلال في ساعات النهار في مخطط ماكر ليغدر بالعائلة ومنزلها الذي تحتاط عليه بروحها، ليعود قبيل الفجر والجميع قد أرخى قواه وأسلم للنوم في عراء سطح البيت ووسطه، وسارع في منع وصول أيّ من كاميرات الصحافة والإعلام لحجبها عن التوثيق للحظات الحاسمة.
في الخفاء تسلل عدد كبير من جنود الاحتلال وحاصروا المنزل في وضع أشبه بأعمال اللصوص، وهبطوا على سكانه النائمين على حين غفلة، وكبلوا الرجال والنساء والأطفال بالقيود وأحالوا العائلة والمتضامنين إلى الاعتقال التعسفي، لتمكين الآلة العسكرية الصهيونية من أداء مهمة الهدم الموكلة إليها.
المشهد الدرامي الذي تعمد نسجه الاحتلال كان من خلال إظهاره جزء من القوة العسكرية "الإسرائيلية"، أمام الكاميرا المرافقة لجيشه وهو يحاول تدفئة النساء والأطفال في درجة حرارة وصلت للصفر، ليوصل فكرته للعالم بأنه جيش ينفي عنه صفة الشراسة والهمجية والمباغتة، ولكن في الحقيقة هو قوة تفترس كل ما هو فلسطيني ولا يلقي بالاً لدرجة الحرارة المنخفضة جدا.
حاول الاحتلال تصوير جنوده بأنهم غاية في اللطف والرحمة، على عكس ما فعله خلف كواليس كاميراته من ضرب وتكسير عظام الرجال والنساء لإخلاء المنزل من أفراده، فأفرغه من محتوياته وقضى على بنيانه بجرافاته وآلياته الشرسة.
طلعت الشمس على البيت الذي غابت عنه وهو بعافية، طلعت عليه وهو متناثر بين قطع الأثاث وحقائب المدرسة والصور التذكارية المترامية على وجه ثلاجة العائلة، أشرقت الشمس باردة على الفراش البارد من دفء أصحابه والأغطية الملونة التي داست على وجهها عجلة جرافة فتركت أسنان وحش غادر.
اثنين وعشرين فرداً من عائلة صالحية لم يشاهدوا منزلهم وهو يفترش الأرض بعد تفتيت جدرانه، ولكنهم أحسوا بالتكسير والتفتيت ينخر عظامهم وهم رهن الاعتقال في السجن الظلام "الإسرائيلية".
ليس البيت الأول في حي الشيخ جراح الذي يتم السيطرة عليه والقضاء على معالمه، ولن يكون الأخير في جدول أعمال الاحتلال، فمبدأ التهجير لدى الاحتلال مازال قائما، ومبدأ الثبات ورفض التنازل عن الأرض يترسخ في قلب الفلسطيني يوماً بعد يوم.
هذه المرة لم يكن الهدم على مرأى ومسمع العالم، عبر منع أي توثيق وأي عدسة لتصوير ومتابعة الأحداث المتوترة في حي الشيخ جراح، وكان لاختيار الوقت المتأخر من الليل أحد دوافع الاحتلال لمنع التضامن الداخلي والخارجي مع سكان الحي.
في وقت سابق، اشتبكت شرطة الاحتلال مع فلسطينيين الداعمين للمواطن صاحب المنزل محمود صالحية، الذي كان يحمل عبوة غاز على سطح منزله، ويهدد بإحراق نفسه في حال تنفيذ أمر إخلاء منزله من حي الشيخ جراح في القدس المحتلة.
فيما أشارت الصحفية المقدسية كريستين ريناوي إلى أن عملية الهدم غير قانونية، والقرار كان عبارة عن إخلاء فقط، والموضوع بجملته سياسي وغير قانوني، والبلدية تواصل خرق القانون من أجل تنفيذ مخطط بناء مدرسة للمستوطنين في الأرض.
انتهى الاحتلال من تنفيذ مخططه الغادر، وانتقل لعائلة مقدسية جديدة لإعادة تفاصيل الفيلم السابق بحي الشيخ جراح الذي يكرس الاحتلال أحلامه بين أراضيه وبيوته التاريخية.

