"السلام عليكم أنا عُمر وهذه سارة، سوف نصحبكم في رحلة جميلة لنتعلم الحروف الهجائية العربية، هل أنتم مستعدون يا أصدقائي؟"، لمجرد أن تنجح في تحميل التطبيق التعليمي الذي يحمل اسم "أبجد"، تظهر لكَ شاشة بطفلين كرتونيين يفتتحا التطبيق بصوتيهما الصغيرين.
بلغة عربية فصيحة وبحروف أبجدية متينة ومخارج صريحة وواضحة، تبدأ الطفلة "ديانا طبيل" حوارها المتقن بدور "عُمر"، مع صديقتها الطفلة "رانيا مهنا" بأداء دور "سارة"، بعمر لا يتجاوز التسع سنوات لكل منهما، ليدخلا معاً لباحة الحروف الثمانية والعشرين.
"ديانا ورانيا" صديقتين في الصف الرابع الابتدائي، نجحتا معاً في الخروج بصوت تعليمي يتسع لاستيعاب المراحل الأساسية ابتداءً من رياض الأطفال وحتى الصف الثالث، بمساعدة وتدريب حثيث ومتواصل من قبل المختصة التربوية والإعلامية المشاركة في إنجاح العمل "هناء الجاروشة"، والتي تحمل مهمة الإنتاج الصوتي.
المحتوى الأساسي في التطبيق يعتمد على تعليم كل حرف على حدا بشكله مفصولا ً أو موصولاً وحركاته الطويلة والقصيرة، وإرفاق الصور الموضحة للحرف وأنشودة تغني للحرف كذلك، كواحدة من الأعمال الدرامية التعليمية المحبوكة بدقة.
مجاناً
أما سيناريو الحوار بين الطفلتين، فقد نظمه المعلم والمختص التربوي "محمد أبو عطيوي"، والذي كان له السبق في طرح الفكرة ورسم ملامحها قبل خمس سنوات من الآن، حتى نجح بطرحها على حاضنة الأعمال والتكنولوجيا بالجامعة الإسلامية وحصل على موافقتها بدعمه.
ونفذ أبو عطيوي عدد من الدراسات والإحصائيات التي تحدد نسبة الطلبة الذين يعانون من عسر القراءة، ووجد أن هذا النسبة تزيد عاماً بعد عام، حتى حلّت جائحة كورونا ما أردى الوضع سوءا بشكل لافت.
وقبل تطور الفكرة بإخراجها عبر تطبيق أندرويد، فقد صمم "أبو عطيوي" برنامج بوربوينت يعرض الدروس بطريقة إبداعية لطلبة مدرسته "ذكور النصيرات الابتدائية"، حتى لاقت هذه الطريقة تأثيراً واضحا واستجابة جيدة من قبل الطلبة.
"تجاوز أي طالب لمرحلة ما بعد الصف الثالث وهو يعاني من عسر في القراءة لهي أكبر المصائب التعليمية لصعوبة تأسيسه بعد ذلك"، أبو عطيوي يصف لـ"الرأي" طبيعة الهدف الذي ينوي تحقيقه في حال نجح بإخراج فكرته للنور.
الفكرة احتلت عقل التربوي "أبو عطيوي" لخمس سنوات، وفي الوقت نفسه تجاوز صاحبها من العمر اثنين وخمسين عاماً، لكنه لم يستسلم لعقبة ثمن تنفيذ الفكرة مالياً، لتصبح رمزاً لافتا على Googel play وتحميله والاستفادة من دروسه مجاناً.
بعد تبني الحاضنة لفكرته بدأ بنسج النصوص المناسبة للأطفال من عمر الرابعة وحتى الثماني سنوات، "هذه كلمة بسيطة، هذه الصورة أفضل، هذه لافتة أكثر، هذه الأغنية يمكن أن تحرك حواس الطفل" وهكذا نسج أبو عطيوي نصوصه بل واختبرها على طفلته "سارة" التي تبلغ من العمر أربع سنوات.
بفخر كبير يعبر المعلم التربوي محمد أبو عطيوي عن اختتامه لمشوار طويل مليء بالإنجاز، بعدما لمس حلمه حقيقة وأصبح بإمكان الأطفال ممارسة التعلم الترفيهي عبر التطبيق الذي أسماه بنفسه "أبجد".
ونصح أبو عطيوي أولياء الأمور والأمهات على وجه الخصوص توجيه أبنائهم لقضاء أوقات مثمرة ومفيدة وإثرائية على مثل هذه التطبيقات بدلاً من إضاعتها على برامج ومقاطع فيديو بلا معنى.
الفريق اكتمل بفكرة المعلم أبو عطيوي وبأصوات الطفلتين اللتين أصبحتا مهارتين في مهمة التعليق الصوتي، وبمبرمج ديسك توب رائد الصعيدي، ومبرمج أندرويد محمود السيسي.
تحدٍ صعب
بدأت الإعلامية "الجاروشة" تنفيذ التحدي بتدريب الطفلتين "رانيا وديانا" على نطق الحروف الأبجدية الصحيحة بمخارج صوتية سليمة بنسبة 100%، لتخرجا بحوار متبادل على أساس "تعلم الأقران" الذي يعني تبادل التعليم من طفل إلى طفل، وهي إحدى الطرق الناجحة والأكثر تأثيراً على تعليم الأطفال، حسبما أخبرتنا "هناء".
بمثابرة وجهد مضاعف بذلته الإعلامية "الجاروشة" مع الطفلتين، بحيث تنجح بإنطاق الطفلة تسجيلاً صوتياً وهي تبتسم مرة، وهي تسأل مرة وهي تعبر عن إعجابها مرة، خلال العمل الدرامي الطويل والمتسلسل بحسب الدروس التي يغذيها تطبيق "أبجد".
وصفت "الجاروشة" التحدي بأنه مرهق جداً، فقد استغرق تدريبها وتسجيلها لثماني وعشرون حرفاً بمعدل 170 سيناريو مع الطفلتين أربعة أشهر، "السيناريو الواحد لا تتجاوز مدته الدقيقتين، وكواليس صناعته وفلترته كانت تستهلك مني على الأقل ثلاث ساعات من التسجيل وعشرات المرات من التكرار والضبط اللغوي للنص".
ومنذ طرح الفكرة ناصرت الإعلامية هناء إنجاح المشروع القائم على التعليم الترفيهي للأطفال، خاصة أن الظروف العامة لجائحة كورونا وانتقال الطلاب للتعليم الإلكتروني كان لها دور كبير في الإطاحة بالجانب التأسيسي لرياض الأطفال وطلبة الصفوف الابتدائية.
واعتبرت الجاروشة بخبرتها التربوية أن هذا التطبيق هو أحد التطبيقات المفقودة خصوصاً أن معظم التطبيقات التعليمية تعتمد على نظام الدفع مقابل التحميل، بينما "أبجد" يعتمد على التحميل المجاني مقابل إفادة الطفل وتأسيسيه بطريقة غير تقليدية، في الوقت الذي يميل فيه الأطفال للإبقاء على الهواتف الذكية لساعات طويلة.
الضوء الأخضر الذي منحته حاضنة الأعمال لهذا المشروع لإتمامه كان قبل عام، بإشراف العضو الاستشاري للمشروع ياسمين زقوت، حيث رافقت الفريق على مدار عام كامل، وأشرفت على اختيار النصوص والصوت وصور الكرتون والمقاطع التعليمية المرفقة.
وقال "زقوت" أنها لم تضف تعديلاً واحدا على المشروع الذي آمن به أصحابه وعملوا على إنجاحه بكل دقة واجتهاد ومثابرة حتى خرج للنور، ما جعلها أول الداعمين بصفتها أم لأطفال، وبصفتها عضو استشاري ذات خبرة كبيرة بالمشاريع ذات الصلة، مضيفة أن المشروع ناجح بقوة لكونه يقدم خدمة مجانية للمستفيدين.
الأحلام المنطقية لا تعرف حداً ولا سقفاً للمستحيل حتى لو قلت الإمكانات وضعفت خيارات الاستعانة بمانح، وهذا المشروع مثالا حيا لتحدي المستحيل أي كان نوعه.

