أربعة حروب دامية عصفت بقطاع غزة على مدار خمسة عشر عاماً من المكابدة والحصار والتضييق، ولم ينتهِ مسلسل الحصار القائم على القطاع عند حدود منع السفر والعلاج بالخارج للمرضى والمصابين، فقد طال وجهاً آخر من وجوه الإنسانية بمنع إدخال تام لكل ما يتعلق بسيارات الإنقاذ والدفاع المدني.
طواقم الدفاع المدني أمضت سنوات عملها في قطاع غزة بمواجهة نذير الحرائق وإنقاذ الأحياء من تحت ركام المنازل والعمارات السكنية المدمرة عبر سياراتها التي يعود عمرها لعام 1994، في مهمة عمل أشبه بالقتال بواسطة قطعة سلاح عجوز.
عام 2021 نهضت غزة من جديد بعد خوضها معركة قتال شرسة مع الاحتلال "الإسرائيلي" بشهر مايو، وقفت على قدميها بأفكار تعيد لها ما أنهكته الحرب واستزفته وقائع انتشال الجثث والأحياء من تحت ركام البيوت المدمرة على رؤوس أصحابها.
"بعد انتهاء الحرب على غزة نشأت فكرة الخروج من قفص المطالبات بإدخال سيارات تسعف العمل الإنساني، إلى رسم مخطط لتصنيع خمسة سيارات إنقاذية لإتمام الواجب الوطني الذي يقوم به رجال الدفاع المدني على مدار الساعة، وتحولت الفكرة إلى حقيقة في غضون ستة أشهر"، يقول المتحدث باسم الدفاع المدني الرائد محمود بصل لـ"الرأي".
منذ العام 2006 لم يُسمح لقطاع غزة بإدخال سيارة واحدة من سيارات الدفاع المدني، مطالبات حثيثة لم تؤتي أكلها تقدمت بها جهات الصليب الأحمر والمؤسسات الدولية للمجتمع المدني لإدخال سيارات الإنقاذ، ما ضاعف حجم الخسارة والإنهاك لكل معدات الدفاع المدني التي من المفترض أن يتم تحديثها كل فترة ست سنوات حسبما أخبرنا الرائد بصل.
كسراً لجمود الحصار جمعية أحباء ماليزية كانت المانح والداعم المالي للمشروع الذي رأى النور بأول سيارة للدفاع المدني لأول مرة، بعد عمل مسودة للمشروع بأي نخبة من المهندسين والخبراء وذوي الاختصاص بحسب ما أكد الرائد "بصل".
وتلبي أجهزة وطواقم الدفاع المدني بعد تلقيها نداء الاستغاثة بعد ثماني دقائق رغم تهالك السيارات والمعدات، وقال الرائد بصل إن التجاوز بعد هذه المدة يتم المحاكمة عليها لخطورة التأخر عن تلبية النداء، وهذه التلبية تخص بالدرجة الأولى المواطن الفلسطيني، ومع التطوير الجديد في مرحلة تصنيع السيارات الخاصة بالدفاع المدني فإن مدة تلبية نداء الاستغاثة ستصبح أكثر سرعة وأشد دقة.
وبحسب ما أخبرنا به بصل فإن سيارة الدفاع المدني التي أزاحت عنها الستار، ما هي إلا إنجاز عظيم بأيدي فلسطينية بحتة، فتم شراء "البودي" من نوع "رنو" من السوق المحلي، وتم صناعة الهيكل الخارجي والتقسيمات الداخلية الخاصة بعملية الدفاع المدني بأيدي خبراء ومهندسين، إلا أنها تفتقر للتطور التكنولوجي التي تتمتع به السيارات على الطراز الحديث.
مئة ألف دولار تكلفة التصنيع لأول سيارة لطواقم الدفاع المدني، مشيراً إلى أن المشروع يشمل تصنيع 28 سيارة في حال استمرت "إسرائيل" بمنع إدخال السيارات الخاصة بالإنقاذ الإنساني والبشري لحالات العدوان والأحداث.
مدير دائرة الأوامر الفنية في وزارة النقل والمواصلات رامي عقل قال إنه تم الانتهاء من تصنيع أول مركبة إطفاء للدفاع المدني، والتي صممت لتضاهي المركبات العالمية في مواصفاتها، حيث تحتوي على صهريج مياه رئيسي بسعة 5 كوب، وخزان فوم بسعة 250 لتر، إضافة إلى باقي التجهيزات المطلوبة لهذا النوع من المركبات كالمضخات وخراطيم المياه.
وأوضح عقل بأن وزارة النقل والمواصلات كانت تتابع وباستمرار على كافة مراحل التصنيع ابتداء من وضع التصاميم وإعداد المخططات اللازمة، ثم البدء في عملية التصنيع والتي تمت من خلال شركة القناعة للصناعة والتجارة إحدى شركات انتاج المنتجات المرورية المعتمدة لدينا في قطاع غزة.

