المشاتل الزراعية هي بيوت الورد الملّون ذو الروائح الطبيعية الفواحة، يتربى بداخلها عشرات الأنواع حتى يضحي الورد أهلاً للتصدير إلى بلاد أوروبا والدول العربية المجاورة، ويتصدر "بوكيه" الورد المناسبات الخاصة والعامة للفلسطينيين في غزة.
غزة هي بلاد ممتدة من فلسطين المحتلة تشتهر بزراعة الورد تماماً كما تشتهر بزراعة الحمضيات، وتعرف بأنها بلاد الحرب والحب، وهي أيضاً أرض الشوك والورد رغم مرور أربعة حروب على أعواده، تكتفي المدينة المحاصرة من محصول الورد ذاتياً ولا تستعين باستيراده من الخارج، وتحتل المراتب الأولى لمصدري الورد في العالم، ما يجعلها تنتظر الربيع على عجل.
تتوزع المشاتل الزراعية على أنحاء متفرقة من قطاع غزة، منها ما هو كبير المساحة ويحوي بداخله عشرات الأنواع من الورد اليافع ويُصدر للمحال التجارية المختصة ببيع الورد وتغليفه للمناسبات، ومنها ما هو بمساحة صغيرة يحوي أوعية معلقة مخضرة ومزهرة يسوّقها صاحبها في الأسواق الشعبية ويشتريها المواطنين لزراعتها في بيوتهم.
في مقتبل أيام الربيع يتحول المشتل كمقصد لهواة التصوير ولمحبي اقتناء الورود المتفتحة في موسمها، في واحدة من الرحلات الطبيعية المبهجة، ويغلب ورد القرنفل كافة أنواع الورد المزروعة نظراً لتحمله وقتاً أكبر وصموده أوقاتاً أطول من غيره.
تبدأ أسعار الورد بحسب أنواعه من الأرقام الزهيدة جداً، حتى أن ورد القرنفل على جماله فهو زهيد الثمن وكثير الألوان وواسع الخيارات التي تقع عين الفلسطيني عليها أولاً، فلا يتجاوز سعر الوردة الواحدة واحد شيكل.
باقة الورد يشتريها الفلسطيني في مناسبات أعياد ميلاد أقاربه أو في حفلات التخرج أو في جلسات المناقشة العلمية، ومن قبلها يحملها كـ باقة طبيعية تريح نفس مريض يرقد في المشفى، لا تكتمل هذه الباقة إلا بانتصافها لوردة جورية في المنتصف وهي الأغلى ثمناً من بين الأنواع.
بينما يحظى الورد باهتمام محبيه إلا أنه لا يمثل أولوية لمليوني فلسطيني يعانون حصارًا خانقًا وانهيارًا في الأوضاع الاقتصادية، حيث يعتمد نحو 80% منهم على المساعدات الإنسانية والإغاثية.
مكافحة الرزق
زراعة الزهور في غزة بدأت قبل ثلاثين عاماً، لكنها نمت وكبرت مع مرور الأزمات حتى أضحت منافساً قوياً في الأسواق الدولية والأوروبية خصوصاً.
المزارع "أحمد حجازي" 60عاماً يملك مشتلاً للورد جنوب القطاع بمساحة زراعية تقدر بـ 10دونمات، والذي يتنوع بداخله الورد بين الجوري ولقرنفل واللوندا والمينيوم وجفسنيت ورسكس، بألوانها الباهية الجميلة وروائحها الزكية.
حجازي يسابق الزمن بحفاظه على مشتله الذي يكافح تغير أجواء الطقس ويتحدى الحصار المفروض على المدينة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً بإحاطة مشتله بالاهتمام والمواظبة والمكافحة لإبقاء الزهور على قيد الانتعاش حتى يحين موعد قطافها.
وعزى المزارع حجازي إلى أن المناسبات تمثل بارقة أمل ورزق لنجاح موسم الربيع، معبراً عن تفضيل الفلسطينيين لاقتناء الورد الطبيعي وتقديمه كهدية محبة للأمهات في شهر آذار، ما ينعش الموسم بشكل لافت.
وبدأت زراعة الزهور لأغراض تجارية، في قطاع غزة عام 1991، واتسع نطاقها عام 1998، إذ وصلت إلى أكثر من 100 مشروع على ما مساحته نحو 1200 دونم، معظمها يتركز في بيت لاهيا في أقصى الشمال، وكذلك في رفح أقصى الجنوب.
أولوية مختلفة
المتحدث باسم وزارة الزراعة المهندس أدهم البسيوني، قال إن عدد الدونمات التي كانت تزرع بالورود تبلغ 1200 دونم قبل سنوات، في حين تقلصت الآن إلى نحو 30 دونما.
وأضح البسيوني أن المزارعين عزفوا عن زراعة الورود نتيجة سياسة الاحتلال الظالمة تجاه غزة، والحصار الإسرائيلي المتواصل وتبعاته على أوضاع الناس، من إغلاق المعابر، إضافة إلى المشاكل التسويقية خارجيا ومحليا، وعدم ضمان التصدير، وارتفاع تكاليف الزراعة مقابل عدم وجود عائد".
وأضاف البسيوني: "اضطر المزارعون إلى تجريف الدفيئات التي يزرع بها الورد، واستبدلوا بها محاصيل أخرى بحسب الأولويات المهمة للفلسطيني".

