بحثت عن وجه طفلتها بين مئات الوجوه؛ كانت تحتضن المستقبلين لها على حاجز الجلمة العسكري ولكن قلبها لا يكتفي إلا بلقاء واحد يعوض كل اللقاءات، أدركت أخيرا أن طفلتها ليست من بين الحاضرين وأن عليها أن تنتظر حتى تصل إلى منزلها لتراها وتشبع حنان الأمومة الذي غمر أركانها لفترة طويلة.
كانت تلك الأسيرة شروق البدن من بلدة تقوع جنوب شرق مدينة بيت لحم؛ فعندما تحررت في الصيف الماضي بعد قضاء ثمانية أشهر في سجون الاحتلال لم يشبع شوقها سوى احتضانها لطفلتها التي كانت تنتظرها بعد طول غياب، طفلة لا يزيد عمرها على خمسة أعوام حُرمت من أمها لأشهر طويلة وعاقبها الاحتلال كذلك بالحرمان من الزيارة عدة مرات.
وفور الإفراج عنها استعدت شروق للحديث عن أوضاع الأسيرات؛ فقالت إنها تعرضت لتحقيق قاسٍ تم تحويلها بعده للاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر تم تجديدها مرة أخرى دون تهمة ولا محاكمة.
وأوضحت أن الأسيرات الأمهات يعانين في سجون الاحتلال؛ فهنّ صاحبات همٍ كبير إلى جانب الاعتقال حيث لا تفارق تفكيرهن صور أطفالهن وتفاصيل حياتهم دون وجود السند الأكبر لهم لتحمل مشاق الحياة وظروفها المختلفة.
وقالت إن الاحتلال فوق آلامهن يستغل مشاعرهن الجريحة فيحرمهن من الزيارات العائلية ويرفض السماح لهن بإجراء اتصالات هاتفية دورية مع عائلاتهن؛ كما لا يسمح لأطفالهن باحتضانهن خلال الزيارة إن سمح بها.
وعلاوة على ذلك يضيق الاحتلال عيش الأسيرات بحرمانهن من أبسط الحقوق؛ فيسلب إنجازاتهن ويعزلهن عن العالم الخارجي ويستفرد بهن ويمنع عنهن الكثير من الأدوات والمستلزمات، ما يزيد حياتهن داخل الاعتقال صعوبة وقسوة.
ولم تكد شروق تلتقي بعائلتها وخاصة طفلتها حتى أعيد اعتقالها من جديد وتحويلها للاعتقال الإداري مرة أخرى رغم عدم وجود تهمة أو محاكمة، لتعود إلى ظلمة السجن والحرمان والتفكير بابنتها طيلة اليوم حيث تفصلهما الأسوار والجدران والمسافات عن بعضهما.
يوم الأم
وفي يوم الأم الذي تحتفل به دول كثيرة في الحادي والعشرين من آذار/ مارس من كل عام؛ يُفتح ملف الأسيرات الأمهات الذي لم يغلق أبداً، حيث تقبع عشر أمهات في سجون الاحتلال ويحرمن من أبسط حق بلقاء أبنائهن؛ وهن الأسيرة إسراء جعابيص من القدس، محكوم بالسّجن لمدة (11) عامًا، والأسيرة فدوى حماده من القدس، محكومة بالسجن لمدة (10) أعوام، والأسيرة أماني الحشيم من القدس المحكومة بالسّجن لمدة (10) أعوام والأسيرة ختام السعافين من رام الله، المحكومة بالسّجن لمدة (16) شهرًا والأسيرة الموقوفة شذى عودة من رام الله، والأسيرة الموقوفة عطاف جرادات من جنين والأسيرة المعتقلة إداريا شروق البدن من بيت لحم، والأسيرة الموقوفة فاطمة عليان من قلنديا والأسيرة الموقوفة سعدية فرج الله من الخليل وهي أكبر الأسيرات سنّا، والأسيرة الموقوفة ياسمين شعبان من جنين.
بدورها تؤكد الأسيرة المقدسية إيمان الأعور التي تحررت قبل أسبوع واحد بعد قضائها ٢٢ شهرا، أن الأسيرات الأمهات كغيرهن من المعتقلات يعشن ظروف اعتقال صعبة في ظل التفكير المستمر بأبنائهن، خاصة وأن نجلها محمد تم اعتقاله في فترة اعتقالها فكانت قلقة عليه وتفكر به وبمصيره باستمرار.
ولكن الأعور أشارت إلى جزئية أخرى في حياة الأسيرات وهي أنهن يشتقن لأمهاتهن كذلك؛ وكنّ يصنعن في يوم الأم العديد من المشغولات اليدوية التي تعبر عن شوقهن لهن، وكنّ يرسلنها لهن خلال الزيارات إذا سمح السجان بذلك.
وقبل تحررها بأسابيع فُجعت الأسيرة الأعور برحيل أمها التي كانت تنتظر تحررها بشوق، فكان شعورا أصعب من الوصف وألما لا يندمل.
وحين تحررت الأعور توجهت فورا إلى المقبرة التي ضمت والدتها وودعت قبرها دون أن تودع جسدها، وانهمرت الدموع من مقلتيها وهي تناديها في مشهد بكى له كل الحاضرين.
31 أسيرة
نادي الأسير قال إنّ الاحتلال الإسرائيليّ، يواصل اعتقال عشر أمّهات، من بين 31 أسيرة يقبعنّ في سجن “الدامون”.
وبيّن تقرير نادي الأسير، الذي جاء بمناسبة عيد الأم، والذي يصادف 21 من آذار/ مارس من كل عام، أن إدارة سجون الاحتلال، تحرم أطفال وأبناء الأسيرات الأمّهات من الزيارات المفتوحة، ومن تمكينهن من احتضانهم، عدا عن حرمان البعض منهن من الزيارة، أو عرقلتها في كثير من الأحيان، يرافق ذلك استمرار رفض إدارة السّجون توفير هاتف عمومي لهنّ، رغم المطالبات المستمرة منذ سنوات.
والأسيرات الأمّهات هنّ: إسراء الجعابيص، فدوى حماده، وأماني الحشيم، ختام السعافين، وشذى عودة، وعطاف جرادات، وسعدية فرج الله، وفاطمة عليان، وشروق البدن، وياسمين شعبان.
وتقضي مجموعة من الأمّهات أحكامًا بالسّجن لسنوات، منهن، الأسيرة جعابيص المحكومة بالسّجن (11 سنة)، وفدوى حمادة وأماني الحشيم اللتين تقضيان حُكماً بالسّجن لمدة عشر سنوات، ومن بين الأّمهات أسيرة معتقلة إداريًا وهي الأسيرة البدن من بيت لحم.
وتواجه الأسيرات كافة أنواع التّنكيل والتّعذيب التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق المعتقلين الفلسطينيين، بدءًا من عمليات الاعتقال من المنازل فجرًا وحتى النقل إلى مراكز التوقيف والتحقيق، ولاحقًا احتجازهن في السّجون وإبعادهّن عن أبناءهن وبناتهّن لمدّة طويلة، ولاحقًا تستمر مواجهتهن لجملة من السياسات الممنهجة التي ترافقهن طول فترة الاعتقال كعمليات القمع والتًنكيل، والإهمال الطبيّ، ومحاولة إدارة السّجون المستمرة سلب حقوقهنّ.
وتُشكّل إحدى أبرز السّياسات التي يستخدمها الاحتلال بحقّ الأمّهات هي، اعتقالهنّ كوسيلة للضغط على أبنائهن المعتقلين أو أحد أفراد العائلة، وإيقاع أكبر قدر من الإيذاء النفسي كما جرى مع الأسيرة عطاف جرادات مؤخرًا، وهي والدة الأسرى (عمر وغيث، ومنتصر) جرادات، حيث لم يكتف الاحتلال باعتقالها وأبنائها بل أقدم على هدم منزلها.
وسعى الاحتلال عبر ماكنة القمع ومحاولته لكسر إرادة الفلسطينيين وعوائلهم باستهداف الأمّهات الفلسطينيات، فنجد مئات الروايات من الأسرى، التي توضح كيف استخدم الاحتلال الأمّهات ، لنيل من أبنائهن المعتقلين، عدا عن أن الآلاف من أمّهات الأسرى اللواتي حُرمنّ من أبنائهنّ على مدار سنوات وسلب حقهن بالزيارة.
وفقد المئات من الأسرى أمهاتهم خلال سنوات أسرهم دون السماح لهم بإلقاء نظرة الوداع، وكذلك تواجه زوجات الأسرى تحديات كبيرة وعلى مستويات مختلفة، في ظل استمرار الاحتلال باعتقال أزواجهن، ويُضاف إلى ذلك معاناة وقهر الأمّهات والزوجات اللواتي استشهد أبنائهن وأزواجهن في السّجون، فقد عاشوا حرمان الأسر والفقدان لاحقًا.

