لم تكتف قوات الاحتلال الإسرائيلي بقتل أرواح الفلسطينيين، بل تعدى الأمر إلى انتهاك حرمة جنازات الشهداء والاعتداء عليها في مدن الضفة الغربية والقدس المحتلتين، في جرائم تظهر حجم الافلاس الأخلاقي، والعجز الذي وصل إليه هذا الكيان الغاصب.
كانت البداية من اعتداء الاحتلال على موكب تشييع الصحفية شيرين أبو عاقلة، حيث تعرض للمشاركين بالجنازة بالدفع والضرب، وألقى قنابل الصوت صوبهم، وكاد النعش يسقط أرضاً، قبل أن يتم تقويمه في اللحظات الأخيرة، الأمر الذي أدى لإصابة 30 مشارك في التشييع.
وأعادت قوات الاحتلال الكرة مع مشيعي جثمان الشهيد وليد الشريف مساء الاثنين الماضي في القدس المحتلة، ما أدى لإصابة 71 منهم على الأقل.
فقد قدرة الردع
ويرى الكاتب والمحلل السياسي إياد جبر، أن منظومة حكومة بينت الأمنية باتت عاجزة عن وقف العمليات الفردية في مدن الداخل، وفي نفس الوقت تتجنب المواجهة المباشرة مع فصائل المقاومة في غزة، علاوة على أن استمرار حالة التصعيد الحالية يمثل خياراً مناسباً للشعب الفلسطيني عموماً، موضحاً أن هذا ينعكس على سلوك حكومة بينت أمنياً، خاصة وأنها تتعرض لضغوط داخلية تجعلها تتخوف من انهيار الائتلاف الحزبي الهش الآن.
ويؤكد جبر في حديث لـ"الرأي"، أن فقد القدرة على الردع في مواجهة التصعيد الموسع يدفع الاحتلال للاعتداء على الصحفيين والجنازات والشهداء، خاصة وأن كل أشكال التنسيق الأمني والاقتحامات فشلت أمام تنامي قدرات المقاومة في جنين.
ووفق ما ذكره، فإن الحكومة الإسرائيلية لم تفقد الحلول الأمنية فحسب، بل حتى الاقتصادية أيضاً، لأنها غير قادرة على اتخاذ قرار واضح ضد عمال الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي نفس الوقت تضررت علاقات المصلحة بين السلطة الفلسطينية وسكان الضفة الغربية بسبب الحالة الاقتصادية السيئة، وهذا ما فتح الطريق أمام المزيد من التصعيد وتوسع ساحات المواجهة".
فقدان سيطرة وانهيار أمني
من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي سميح خلف:" إن الاحتلال شعر بالارتباك وبفقدان المستقبل على هذه الأرض، وفقدان السيطرة على منطقتين بالضفة الغربية وهما جنين والقدس وهي مناطق تخضع لاتفاقيات منظمة التحرير مع الاحتلال، في حين يوجه قائد حركة حماس في غزة إنذار ووعد بالنصر على الاحتلال".
ويبين خلف في حديث لـ"الرأي"، أن تلك المناطق تمثل مثلث انهيار ما يسمى الدولة العبرية، وكسر هيبتها، فما حدث خلال هذا الأسبوع من مهاجمة جنائز الشهداء يعكس مدى الانهيار السيكولوجي الذي تعاني منه القيادة الإسرائيلية، مستشهداً بتصريح غانتس" في المستقبل أخشى أن تتقلص دولة اسرائيل).
"ومن خلال مهاجمة الجنائز يحاول الاحتلال أن يوهم نفسه أنه يستطيع السيطرة على مقاومة الشعب الفلسطيني أمام آلة البطش بالإرهاب وتجاوز القانون الدولي، فأصبح هذا الاحتلال مفضوحاً بردات فعله وأمام المجتمع الدولي الذي بات لا يستطيع الدفاع عن دولة الاحتلال الزائلة"، يضيف خلف.
ويستطرد بالقول:" إن مهاجمة الجنائز توفر للمقاومة الفلسطينية التعبئة والحاضنة الشعبية كما في القدس وجنين وغزة، وفي نفس الوقت تدحض فكرة وسلوك الاعلام الاسرائيلي الذي يتحدث عن الارهاب الفلسطيني"، مشيراً إلى ضرورة استغلال الاعلام الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية لسلوك الاحتلال المفضوح، في وقت بدأت فيه الدولة العبرية تتفسخ داخلياً، وهو ما ينعكس على سلوكها.
الاحتلال يخشى المقاومة
المحلل السياسي إياد القرا يرى أن الاحتلال يخشى كل مظهر فلسطيني في القدس، ويعزز الحضور الوطني والهتافات الداعمة للمقاومة، الأمر الذي يساعد في خلق أجواء واسعة ضده.
وفيما يتعلق بتمادي الاحتلال في التعرض لجنازات الشهداء رغم فضائحه المدوية أمام العالم، يقول القرا لـ"الرأي":" إن الاحتلال يعاند ويكابر في مواجهة الحقيقة، وهو ما يدفعه إلى ممارسة مزيد من القمع اعتقاداً بأن الشباب الفلسطينيين سيتراجعون جراء انتهاكاته وأساليبه الوحشية التي يمارسها بحقهم".

