يُحرم الانسان من حقوقه بمجرد حرمانه من امتلاك هوية، يعيش سجيناً أينما حلت أقدامه، وهذا حال آلاف الفلسطينيين الذين نزحوا بعد العدوان الإسرائيلي واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967.
أكثر من 15 ألف فلسطيني لا زالوا يعانون من حرمانهم من الهوية الفلسطينية، بعدما عادوا لأراضي غزة والضفة خلال السنوات الماضية مع قدوم السلطة الفلسطينية، حيث تماطل "إسرائيل" بمنحهم الهوية.
حتى النهاية
ستة وعشرون عاماً حرم خلالها الفلسطيني عمرو النفار من لقاء عائلته التي تقطن في الأراضِ السعودية ولو لمرة واحدة، آخر اجتماع بعائلته كان عام 1996، فقط لعدم حيازته على هوية تمنحه حق السفر.
فقدَ النفار ثلاثة من أشقاءه الشباب وتلاه فقد ثقيل على قلبه حينما بلغه خبر وفاة والده في بلاد الحرمين دون وداع أخير ودون لقاء يشفي علة قلبه ويروي عطش شوقه، حينها فقط اتخذ قراراً حاسماً بالوقوف دون تزحزح أمام مقار هيئة الأمم المتحدة في قطاع غزة برفقة خمسة عشر فرداً من أصحاب القضية المحرومين من حقهم في "لم الشل".
واستمر السيد النفار برفقة أصحاب القضية بوقوفهم بثبات تباعاً أمام مقار الصليب الأحمر بغزة وأمام مبنى الشؤون المدنية، لإيصال صوتهم والمطالبة بحقهم عالياً حتى بزوغ شعاع أمل، بعدما تكفل بالإمساك الملف حتى آخر إنسان يحصل على حقه في لم شمله بعائلته.
يقول النفار في حديثه لـ"الرأي" أن ملف العالقين في قضية "لم الشمل" مغلق منذ العام 2000 حتى عام 2008، من بعدها أصدر الاحتلال ثمانية آلاف اسم على دفعتين الأولى كانت بثلاثة آلاف اسم والثانية بخمسة آلاف، وبدون أسباب جمّد الاحتلال الدفعة الثانية ولم تحصل على حقها بحمل هوية.
النفار اصطدم بحادثة وفاة أبيه، ما دفعه لوقفة ثابتة واتخاذ قرار أخير بأنه يريد الحصول على حقه مهما كلفه هذا الأمر، وآتت المطالبات أكلها قبل عام واحد على ثلاث دفعات مقسمة بين الضفة المحتلة وقطاع غزة بنجاح أكثر من خمسة آلاف حالة.
وصنف النفار معضلة "لم الشمل" إلى قسمين رئيسيين، الأولى تتعلق بالمغتربين عن عوائلهم والمحرومين من السفر من وإلى قطاع غزة وتمتد مشاكلهم لأكثر من ثلاثين عاماً بعمر الانتفاضة الأولى.
أما الصنف الآخر فهم الذين بحاجة إلى تغيير عنوان بخصوص متطلبات الاستقرار والزواج بين الضفة وقطاع غزة، وهذه المعضلة يمضي الاحتلال سنوات طويلة في حلها في صورة من صور المستحيل الفلسطيني.
ورغم حيازة النفار على حقه في الحصول على هوية وإحانة الفرصة المنتظرة بسفره إلى السعودية واجتماعه بعائلته للمرة الأولى بعد ستة وعشرين عاماً، إلا أنه أخذ على نفسه عهداً بألا يترك هذا الملف الذي يعاني أصحابه آلاف الويلات ويحملون في قلبوهم أملاً بقرب لقائهم بذويهم.
سجناء الهوية
يؤرق ملف "لم الشمل" آلاف الأسر الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي ترفض "إسرائيل" الاعتراف بقانونية وجود أحد أفرادها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومؤخرا، تحرك عدد من ضحايا السياسات "الإسرائيلية" في حملة "لم الشمل حقي" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ونظموا وقفات في مدينة رام الله وفي قطاع غزة.
ولا تملك السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ولا الحكومة في قطاع غزة، سلطة إجراء أي تغيير على السجل السكاني للفلسطينيين، سوى تسجيل المواليد والوفيات واستبدال بطاقات الهوية الشخصية التالفة.
وتشترط "إسرائيل" للاعتراف بقانونية تواجد الفلسطينيين في الضفة وغزة، بأن يكونوا قد تواجدوا في المنطقتين إبان احتلالها لهما في يونيو/حزيران 1967، وهذا الشرط يحرم النازحين الفلسطينيين في بلاد الشتات من حق الحصول على هوية فلسطينية.
تحفظ مقصود!
وفي قصة أشبه بأفلام السينما، فإن الفلسطيني في وطنه محروم من لقاء عائلته في الشق الآخر من أرضه، بينما قررت الزوجة مروة حمادة في بيت لحم زيارة والدها المريض في قطاع غزة لإلقاء نظرة وداعها الأخيرة، حتى وقعت حبيسة البقاء في غزة دون عودة لبيتها بالضفة، وبمجرد دخولها القطاع، عاجلها الاحتلال بتغيير عنوان إقامتها لـ"غزة".
ابنتها كانت تبلغ من العمر خمسة أشهر، كبرت بعيدة عن والدها وتجاوزت العام وخمسة أشهر الآن، دون حل يلوح في الأفق سوى وعود من الشؤون المدنية بزيادة الضغط على الجانب "الإسرائيلي" لمنح تغيير عنوان بحق أكثر من 400 سيدة عالقة بغزة، بين متزوجة وبين أخرى مخطوبة.
تبنت الدكتورة مروة حمادة ملف السيدات العالقات للتحدث باسمهن أمام الشؤون المدنية، بينما خسرت عملها الذي كانت تشغله كمحاضرة في جامعة فلسطين الأهلية، وتعمقت في ملف أشبه بقصص لا تصدق من غرابة تفاصيلها.
وتحمل مروة حمادة شهادة الدكتوراه من جامعة الإسكندرية بمصر تخصص خدمة اجتماعية، فلم تترك باباً إلا وطرقته للعودة إلى بيتها برفقة طفلتها، إلا أن الانتظار هو الإجابة الوحيدة دون مدى محدد.
وقالت حمادة عن جزء من مخاطرتها بعدم حصولها على تغيير عنوان بما أن هويتها تحمل اسم المدينة الأساسية "غزة"، فإن وجودها بهذه الهوية بالضفة المحتلة يعرضها للترحيل إلى غزة في أي وقت ممكن حتى دون السماح لها بأخذ أغراضها أو حتى باصطحاب ابنتها.
وحدثت حمادة "الرأي" عن عدة نماذج من السيدات العالقات في قطاع غزة وأزواجهن بالضفة، وأن واحدة من تلك الزوجات تعاني من قضية تغيير العنوان منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وبعدما نجحت في الحصول على تغيير عنوان فإن واحدة من بناتها لم تحصل على واحد كما أمها، لتجاوزها السن القانوني والذي قضته في مطالبتها وحرمانها من أبيها وعائلتها.
الدكتورة حمادة تكفلت بملف السيدات العالقات لإيصال صوتهن لكل مسؤول بيده قرار ينصفهن، معبرة عن كم التهديد المخيف بحق تلك السيدات بهواجس الانفصال عن أزواجهن لاستحالة الحلول.
وأجمع فلسطينيون لـ"الرأي" على استطاعة السلطة الفلسطينية والشؤون المدنية بالضغط على الجهات "الإسرائيلية" لحل الملف بالكامل، إلا أن الملف يسير ببطء شديد، ويرجح البعض حصول الشؤون المدنية على دفعة جديدة من "تغيير العنوان" منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر، إلا أن الشؤون المدنية تتحفظ على الملف بانتظار فرصة مناسبة لإصدارها للعلن، وذلك لأسبب تتعلق بمساندة حسين الشيخ للشارع الفلسطيني لاحتمالية ترشحه للانتخابات الرئاسية.

