ما إن انتهت مرحلة الضغوطات من الامتحانات المدرسية، حتى توافدت زحوف بشرية إلى شاطئ البحر، هرباً من حر الصيف الذي لم تفلح المراوح الأرضية في هزيمته، فهو المتنفس الوحيد لآلاف من العائلات التي اكتوت بنار الحصار.
ولا يكاد يمر يومان فقط، حتى تحزم المواطنة الثلاثينية أم المجد حسين، أمتعتها وجميع ما لذ وطاب من المأكولات التي يفضلها أطفالها، قاصدة باتجاه البحر الذي لا يبعد عن منزلها سوى مسافة دقائق معدودة.
تقول أم المجد لـ"الرأي":" لا نستطيع تحمل حر الصيف، الذي تزداد حدته خاصة في حال انقطاع الكهرباء التي تصل لأكثر من ثماني ساعات وعدم وجود بديل، وهو ما يجبرني على أخذ بعض الحاجيات والذهاب للشاطئ، أفضل من الاكتواء بالحر الذي لا نحتمله".
الهروب من ضيق الحياة
أكلات لذيذة من أوراق الدوالي المصفوفة بعناية فائقة، وحبات من الباذنجان والكوسا الخضراء المطبوخة في قدر كبير، تبدع الخمسينية أم محمد في إعدادها، استعداداً ليوم كامل من المكوث على الشاطئ، متناسية خلفها ضنك الحياة وحر الصيف اللذان اجتمعا على أهالي قطاع غزة المحاصر.
وتؤكد أم محمد أن شاطئ البحر هو المتنفس الوحيد لكثير من العائلات التي أرهقتها ظروف الحياة القاسية والواقع الصعب بغزة.
وتقول في حديث لـ"الرأي":" نجد ترويحاً عن النفس عند المجيء للبحر، خاصة فرحة الأطفال وهم يلعبون على الشاطئ برفقة الرمال الذهبية التي تغنيهم عن اللعب في الشوارع والطرقات"، موضحة أن الظروف الاقتصادية لا تسمح لكثير من العائلات بالذهاب إلى أماكن أخرى أفضل من الشاطئ كونه مكاناً عاماً يقصده الفقير والمقتدر.
ومنذ الأسبوع المنصرم، يشهد شاطئ بحر غزة حركة نشطة للعائلات والأفراد، والتي ازدادت في فترات المساء، وبعد الانتهاء من الامتحانات وبدء العطلة المدرسية.
وعلى طول الشاطئ، تنتشر العديد من الاستراحات التي تفنن أصحابها في تزيينها استعداداً لاستقبال المواطنين، إلى جانب أكشاك صغيرة من الخشب يتوزع حولها بعض المقاعد البلاستيكية الملونة.
ويتوافد الكثير من الباعة المتجولين الذين يجدون في شاطئ البحر مصدر رزق يبيعون فيه بعض المُسليات، والمرطبات والعنبر، والعصائر والكعك والذرة المسلوقة والمشوية على كورنيش الشاطئ، بالإضافة إلى الألعاب البحرية على اختلاف أشكالها.
ولا يتوقف اللجوء إلى شاطئ البحر، هرباً من حر الصيف، أو في ساعات انقطاع الكهرباء فقط، ولكنه يعد متنفساً للهروب من النتائج العكسية والكارثية التي خلفتها أربعة حروب وعايشها المواطنون، وتركت آثارها النفسية عليهم.
وكعادته كل صيف، يذهب الشاب الثلاثيني رامز علي إلى شاطئ البحر برفقة أسرته وأطفاله، حيث يفترش الأرض، تاركاً هموم الحياة وضيق الحال خلفه.
يقول علي لـ"الرأي":" لا يكاد يمر يومان فقط، حتى أصطحب عائلتي إلى البحر، هو المتنفس الوحيد لنا، وأطفالي ما إن تصل إلى مسامعهم الحديث عن أجواء الشاطئ، يشعرون باللهفة والسعادة، وهو ما يجبرني على الرضوخ لمطالبهم".
ويخصص علي يوم الجمعة، للذهاب إلى البحر وتناول طعام الغداء برفقة عائلته، أمام شاطئ البحر، والأجواء الجميلة، وحركة المصطافين وسط ضحكات الأطفال التي لا تتوقف فرحاً.
صيف آمن
وضمن مسؤولياتها لتوفير صيف آمن للمصطافين على شاطئ بحر غزة، أصدرت وزارة الحكم المحلي بغزة تعميماً يتضمن توجيهات لرؤساء الهيئات المحلية بالتعاون مع الشرطة البحرية بشأن منع اصطحاب الحيوانات والدراجات النارية على شاطئ بحر قطاع غزة.
وينص القرار الصادر عن وكيل الوزارة سمير مطير، على ضرورة التعاون مع الشرطة البحرية والعمل على منع اصطحاب ونزول الدراجات النارية.
ووفق ما ذكره فإنه يمنع الحيوانات من خيول وكلاب وجمال إلى شاطئ البحر، والتي تتسبب في إيذاء وترويع المصطافين على الشاطئ، وذلك لتحقيق المصلحة العامة في توفير الأمن وراحة البال للمواطنين.

