صدمة كبيرة تلك التي يتلقاها الأسير الفلسطيني خلف قضبان الاحتلال حين يفجع برحيل أحد والديه فجأة، حالة من الحسرة والألم تثقل صدره، وشعور بالعجز والضيق لا يضاهيهما شعور لحرمانه من حريته وأهله معاً، أو حتى المشاركة في التشييع.
ولا يكاد الاحتلال يترك أي سياسة قهرية، أو وسيلة للتنغيص على حياة الأسرى في السجون، من بينها حرمانهم من إلقاء نظرة الوداع على أقاربهم أو ذويهم، ضارباً بعرض الحائط كافة القوانين والمواثيق الدولية التي منحت الأسير الكثير من الحقوق.
والدة الأسير يعقوب قادري كانت من ضمن الأمهات اللواتي كن يأملن التكحل برؤية أبنائهن عقب التحرر من الأسر، إلا أن الموت لم يمهلها، فرحلت قبل أيام إلى جوار ربها شاكية ظلم الاحتلال، فيما ألقى الاحتلال بالحسرة في قلب ابنها الأسير دون أن يتمكن من إلقاء النظرة الأخيرة على وجه والدته الذي لطالما اشتاق لرؤيته.
والأسير قادري (49 عاماً) وهو أحد أبطال عملية "نفق الحرية"، الذي تمكن إلى جانب خمسة من رفاقه، من تحرير أنفسهم في السادس من أيلول/سبتمبر العام الماضي، وكان أمله أن ينعم برؤية والدته وعائلته التي حرم منها منذ اعتقاله في تشرين الأول/أكتوبر عام 2003، علما أنه محكوم مؤبدين و35 عاماً.
حسرة على مدى 40 عام
القهر والعجز والحسرة.. عناوين مثقلة لم تكن من نصيب الأسير قادرى فقط، فعميد الأسرى في سجون الاحتلال كريم يونس أيضاً حرم من لقاء والدته التي كانت تتوق لاحتضانه ومعانقته على الرغم من طول انتظار فك أسره بعدما مضى على اعتقاله نحو 40 عاماً.
وتوفيت والدة الأسير يونس، بداية الشهر المنصرم، بعد أن صرحت أن الاشتياق لابنها يتزايد ويتعاظم مع مرور كل لحظة وأخرى، وأنها فخورة به وبابن عمه ماهر إلى درجةٍ كبيرة، خاصةً أنه صامدٌ وجبّار، رغم الوقت الطويل الذي أمضاه في سجون الاحتلال.
والأسير كريم يونس يُعتبر حاليًا أقدم أسير فلسطيني في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، وأقدم أسير في العالم أيضاً، حيث قام الاحتلال بأسره وهو على مقاعد الدراسة بتاريخ 1 حزيران/ يونيو 1983، ولايزال مُعتقلاً حتى اليوم.
أساليب قهرية
إسلام عبده مسؤول الاعلام بوزارة شؤون الأسرى والمحررين بغزة، أكد أن الاحتلال لا يكاد يترك مناسبة أو وسيلة، إلا ويفرض من خلالها العقوبات المجحفة التي تهدف لزيادة المعاناة على الأسرى، وحرمانهم من الكثير من الحقوق المشروعة، سواء فيما يتعلق بحقه بالزيارة والتمتع برؤية والديه أو غير ذلك.
وأضاف عبده في حديث لـ"الرأي":" أساليب قهرية تلك التي يتبعها الاحتلال بحرمان الأسير من إلقاء نظرة الوداع على ذويه، وهي ضمن سياسته التي ترفض منح الأسير جزء بسيط من الحرية، ومحاولته تغييب الأسرى داخل السجون"، مشيراً إلى أنها سياسة تضرب كافة القوانين الدولية التي شرعت لهم الكثير من الحقوق من بينها زيارة ذويهم والاطمئنان عليهم.
الكثير من الإجراءات التعسفية والأساليب القهرية التي يمارسها الاحتلال بحق الأسرى، الأمر الذي يؤثر ويترك بصمته على الأسير الذي أمضى سنوات كثيرة داخل السجون.
واستشهد عبده بالظروف التي عايشها الأسير كريم يونس الذي فقد والدته مؤخراً، في وقت كانت والدته تنتظر لقاء الحرية طوال مدة 40 عاماً، ولكن الموت لم يمهل والدة الأسير هذا اللقاء والعناق، ولم يكن يتبقى على حريته سوى أشهر معدودة، وهو ما جعله يشعر بالقهر.
من أصعب اللحظات على الأسير، والحديث لعبده، أن يسمع وفاة أحد أقاربه أو فقدان والده أو والدته، ما يشكل صدمة كبيرة لا يكاد يصدقها أو يستفيق منها، في ظل عجزه عن إلقاء نظرة الوداع الأخيرة، الأمر الذي يؤكد أن الاحتلال لديه رغبة في قهر الأسير.

