دمر الغزو الروسي لأوكرانيا حلم أوروبا في انتعاش اقتصادي قوي طويل الأمد بعد جائحة فيروس كورونا التي أنهكت الاقتصاد العالمي، وقامت المفوضية الأوروبية يوم الاثنين (16 مايو) بتعديل توقعاتها للنمو الاقتصادي في منطقة اليورو مستشهدة بالحرب الروسية الأوكرانية كذريعة لتلك التوقعات، فتم تخفيضها إلى 2.7% لعام 2022 و 2.3% لعام 2023.
وفقًا لآخر تقرير ربع سنوي صادر عن الاتحاد الأوروبي، تم تعديل معدل النمو الاقتصادي في منطقة اليورو في عام 2022 بشكل كبير إلى 2.7% من 4.0% التي تم تقديرها في شهر فبراير، كما تم تخفيض توقعات معدل النمو لعام 2023 إلى 2.3% من التقديرات البالغة 2.7%.
قال المدير التنفيذي للشؤون الاقتصادية في المفوضية الأوروبية "باولو جينتيلوني": "أن الغزو الروسي لأوكرانيا لن يؤدي إلى كارثة ودمار فحسب، بل سيؤثر أيضًا على تعافي الاقتصاد الأوروبي".
وذكر التقرير إن اندلاع الحرب أدى إلى تفاقم الرياح الاقتصادية المعاكسة التي كان من المتوقع أن تتراجع بعد تخفيف قيود اغلاق فيروس كورونا في نهاية العام الماضي، والتي شملت مزيد من الضغط لرفع أسعار تداول السلع وعودة اختناقات سلسلة التوريد وزيادة حالة عدم اليقين.
وقال نائب الرئيس التنفيذي للمفوضية الأوروبية "فالديس دومبروفسكيس": "أنه على الرغم من أن الاقتصاد سيستمر في التعافي بصعوبة هذا العام والعام المقبل، إلا أنه سيكون أضعف بكثير مما كان متوقعًا في السابق"، وأضاف دومبروفسكي إن العامل السلبي الأكبر الذي ساهم في ذلك كان الارتفاع في أسعار الطاقة، والذي لم يرفع التضخم إلى مستوى قياسي فحسب، بل أثر أيضًا على الشركات والأسر الأوروبية.
كما أشارت المفوضية الأوروبية إلى أن تحرير قطاع الخدمات بعد الوباء والتحسن المستمر في سوق العمل والزيادة البطيئة في الودائع والإجراءات المالية المتخذة استجابة لارتفاع أسعار الطاقة من المتوقع أن تدعم الاستهلاك الخاص.
التضخم يرتفع لمستوي قياسي مدفوع بأسعار الطاقة
ارتفع معدل التضخم في منطقة اليورو بنسبة 7.5% في شهر أبريل ليصل إلى مستوى قياسي، مما يشير إلى فترة أضعف في المستقبل مع استمرار الصراع في رفع أسعار الطاقة، وقفزت الأسعار بنسبة 0.6% في شهر أبريل وحده، وكانت أسعار الطاقة أكبر عامل منفرد، حيث زادت التكاليف بنسبة 38% على أساس سنوي مع ارتفاع أسعار الجملة للنفط والغاز وسط مخاوف من تعطل الإمدادات في جميع أنحاء القارة مع استمرار الحرب.
وقد قامت المفوضية الأوروبية برفع توقعاتها لمعدل التضخم بشكل ملحوظ، حيث تم رفع معدل التضخم السنوي لعام 2022 بشكل كبير ليصل إلى 6.1% من التقديرات السابقة البالغ 3.5%، وتقدر المفوضية أن يصل معدل التضخم السنوي لعام 2023 إلى 2.7% بزيادة نقطة مئوية واحدة عن توقعات فبراير البالغة 1.7%.
وأشار جيانتروني إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة، مما أدى إلى تفاقم مشاكل سلسلة التوريد، لذلك من المرجح أن يظل التضخم مرتفعًا لفترة أطول من الوقت.
وتتوقع المفوضية الأوروبية أن التضخم سيصل ذروته في الربع الثاني، حيث سيرتفع بمعدل سنوي يبلغ حوالي 6.9% في ربع واحد، قبل أن يتراجع ربعًا تلو الآخر، وحذرت المفوضية الأوروبية أيضًا من أنه إذا تم قطع الغاز الطبيعي عن روسيا فجأة، فسوف يؤدي ذلك إلى مزيد من التباطؤ في النمو الاقتصادي.
تراجع النمو في منطقة اليورو حيث أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع تكاليف الطاقة
تومض أضواء التحذير في اقتصاد منطقة اليورو، مع توقف النمو في الربع الأول في فرنسا وتقلص النمو في إيطاليا، حيث أدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى ارتفاع تكاليف الطاقة في جميع أنحاء القارة.
أظهرت الأرقام من يوروستات (هيئة الإحصاء التابعة للاتحاد الأوروبي) أن النمو في الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو انخفض إلى 0.2% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2022، متراجعًا من 0.3% في الربع الأخير من عام 2021، عندما أثر متحور أوميكرون على النشاط الاقتصادي.
وقد جاءت أرقام النمو أقل من توقعات الخبراء التي أشارت إلى معدل نمو قدره 0.3% لبلدان منطقة اليورو البالغ عددها 19 دولة، مما يسلط الضوء على المخاطر الاقتصادية للحرب في أوكرانيا وسط ارتفاع أسعار النفط والغاز بالجملة التي تفاقمت بسبب الصراع.
أظهرت البيانات توقف الاقتصاد الفرنسي عن النمو بشكل غير متوقع، حيث سجل نموًا صفريًا مع تعطل سلسلة التوريد وارتفاع تكاليف الطاقة مما أدى إلى تراجع النشاط، وانكمش الاقتصاد الإيطالي وفقدت إسبانيا الزخم، بينما انتعشت ألمانيا في الربع الأول من الانكماش الذي سجلته في الربع الرابع، عندما أثر تبعات متحور أوميكرون وسلاسل التوريد بشدة على أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
وقد أثارت تلك البيانات المخاوف من أن شبح التضخم المصحوب بالركود التضخمي يلوح بالأفق، والذي يحدث عندما ترتفع تكاليف المعيشة بينما يتعثر النمو في الناتج المحلي الإجمالي لربعين متتاليين.
تأتي هذه الأرقام في الوقت الذي يواجه فيه البنك المركزي الأوروبي ضغوطًا لرفع أسعار الفائدة من أدنى مستوى تاريخي حالي عند -0.5% على تسهيلات الودائع الرئيسية، مع تضخم يزيد عن ثلاثة أضعاف سعر الفائدة الرسمي المستهدف البالغ 2%.
يقارن التباطؤ في منطقة اليورو بانكماش بنسبة 0.4% في الاقتصاد الأمريكي في الربع الأول وسط مساهمة أضعف من التجارة والإنفاق الحكومي، من المتوقع أن ينمو الاقتصاد البريطاني بنحو 0.5% في الربع الأول، لكن المحللين حذروا من مخاطر حدوث ركود صيفي في ظل ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوياته منذ التسعينيات.
الاقتصاد الأوروبي والروسي في خطر متزايد
زاد غزو الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" لأوكرانيا من الضغط التضخمي المتزايد هذا العام مع تعافي الاقتصاد العالمي من جائحة كوفيد، مما أدى إلى انخفاض حاد في معدلات النمو عبر الاقتصادات المتقدمة من صندوق النقد الدولي في وقت سابق من هذا الشهر.
في مواجهة العقوبات الاقتصادية الشاملة التي فرضتها القوى الغربية، تحرك البنك المركزي الروسي يوم الجمعة (29 أبريل) لخفض أسعار الفائدة من 17% إلى 14% في محاولة لدعم النمو الاقتصادي مع اقتراب البلاد من ركود عميق لمدة عامين، ومن المتوقع أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي الروسي بنسبة تتراوح بين 8% و 10% هذا العام وهو أكبر انخفاض سنوي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وهذا يعكس العزلة المتزايدة عن الاقتصاد العالمي، ومن المتوقع أن يرتفع التضخم في روسيا إلى 23% هذا العام.
ومع ذلك، نظرًا لكون روسيا مصدرًا رئيسيًا للنفط والغاز في العالم، فقد كان للحرب عواقب وخيمة في أماكن أخرى، لا سيما في الدول الأوروبية التي تعتمد على الغاز الروسي.
يقول الاقتصاديون إن منطقة اليورو في خطر متزايد من الانحدار إلى الانكماش في الربع الثاني، مما يزيد من مخاطر الركود في العديد من الدول حيث أن ارتفاع تكلفة المعيشة يجبر المستهلكين على كبح جماح إنفاقهم، ومن المحتمل أن يتعرض المصنعون لضربة أكبر في ألمانيا مقارنة بأجزاء أخرى من منطقة اليورو، لكن الزيادة في أسعار الطاقة ستؤثر على المنطقة بأكملها، وكذلك انخفاض الطلب على الصادرات وثقة العمل.

