في الذكرى الأولى لعدوان 2008
غزة على عتبات آخر المعارك
شاكر الجوهري
عام كامل من الصمود الأسطوري حققه قطاع غزة، إلى جانب صموده الأسطوري طوال أيام العدوان الإسرائيلي واسع النطاق الذي تعرض له نهاية عام 2008، مطلع عام 2009..
صمود العام الكامل يمثل المرحلة الأخطر من المؤامرة التي تستهدف القطاع وأهله، وكذلك حكومته المنتخبة، وذلك لسببين رئيسين:
الأول: أن الحصار المتصاعد المفروض على القطاع، يمثل في المقام الأول استمرارا عربيا للعدوان.
الثاني: أنه يحضّر الظروف الموضوعية لعدوان اسرائيلي جديد، مرشح لأن يكون أكثر وحشية من سابقه.
العدوان المقبل تدلل عليه مؤشرات أكثر وضوحا من المؤشرات غير الجازمة التي أشرت على العدوان الماضي.
لكن كلا العدوانين يتسمان بقواسم مشتركة واحدة، تتجلى في:
أولا: وجود هدف واحد للعدوانين يتمثل في السعي إلى إسقاط الحكومة الفلسطينية المنتخبة في قطاع غزة.
ثانيا: وجود حلفاء فلسطينيين وعرب للعدو والعدوان، يتمثلون اساسا في محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته، وحسني مبارك رئيس أكبر دولة عربية.
ثالثا: مشاركة عملية لهؤلاء الحلفاء في العدوان، تتمثل في:
1. شن حرب نفسية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تستهدف الهبوط بمعنوياته.
2. تزويد العدو الإسرائيلي بمعلومات ميدانية مهمة تحدد الأهداف الحيوية التي يستهدفها، وإحداثيات الرمي للمدفعية والصواريخ.
3. المشاركة في تشديد الحصار الشامل المفروض على القطاع، ضمن مخطط محاولة تثوير الشعب الفلسطيني ضد الخيار الذي صوت له في الإنتخابات التشريعية لعام 2007.
أطراف العدوان لا تزال تدرك، ومتيقنة من أن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ملتف حول القيادة التي انتخبها، ولذلك، فإن جميع التكتيكات المستخدمة تهدف في المقام الأول إلى تفكيك تلاحم الشعب مع قيادته المقاومة.
لذلك، يأتي بناء النظام المصري للجدار الفولاذي الذي يراد له أن يحول دون تمكن فلسطينيي القطاع من تهريب مختلف مستلزمات الحياة عبر الأنفاق، بعد أن مكنت الأنفاق الفلسطينيين من مواصلة التنفس عبر الرئة المصرية، بالضد من رغبة نظام الحكم في القاهرة، الذي يشارك في معاقبة الفلسطينيين على خيارهم الديمقراطي.
يبلغ عمق الجدار الفولاذي المصري ثلاثين مترا، ويجري بناءه من قطع فولاذية تم انتاجها خصيصا لهذا الغرض في مصانع اميركية، بحيث يتم زراعة عواميد داخل جوف الأرض بعمق ثلاثين مترا، مزودة بمجسات الكترونية قادرة على كشف أية عمليات حفر لأنفاق جديدة. ويفصل بين كل مجس وآخر فقط ستة أمتار.
مصر تشارك في تحضيرات العدوان المقبل لأنها ترفض أن تنظر للوضع القائم المقاوم في قطاع غزة، إلا من منظور داخلي، معتبرة أن حركة "حماس" تمثل امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، ونجاح تجربتها في قطاع غزة، يمثل حافزا للإخوان المسلمين في مصر ذاتها، لزيادة همتهم وتعظيم مشاركتهم في الإنتخابات العامة المصرية المقبلة، بما يهدد النظام باحتمال ارتفاع حجم تمثيل الإخوان الذي بلغ في الإنتخابات السابقة، ورغم كل ما نقلته عدسات الفضائيات من منع ناخبي المعارضة من الإقتراع، الثمانين نائبا..!
مصر التي تشتد فيها جسارة المواطنين على النظام، تزداد خشية النظام فيها على مخططاته الهادفة إلى إعادة انتاج نفسه من جديد من خلال مساعيه إلى توريث الرئاسة من الأب إلى الإبن..!
ويشارك محمود عباس في مؤامرة العدوان على غزة، وهو الذي شارك في العدوان السابق، وفقا لتأكيدات مسؤولين صهاينة، تعززت بأشرطة تسجيل.. صوت وصورة..!
يشارك عباس نتيجة رغبة ذاتية منه في إسقاط حكومة "حماس"..
ويشارك انصياعا للتعليمات الأميركية..
ويشارك أيضا حتى يتمكن من تقديم كل التنازلات التي تطلبها منه اسرائيل مرة واحدة، مبررا ذلك للشعب الفلسطيني بالتمثيليات التي أداها مؤخرا، لجهة إعلان تصميمه على رفض استئناف المفاوضات قبل الوقف الكامل للإستيطان الإسرائيلي، ليقول للفلسطينيين في نهاية المطاف التآمري، إنه بعد أن فعل كل ما يستطيعه لرفع سقف التسوية، فإنه لم يعد بالإمكان أبدع مما كان.
ولكي يتمكن عباس من إكمال دوره، لا بد من انجاز أحد امرين:
الأول: موافقة "حماس" على جميع الشروط التي يريد الزامها بها.. الإعتراف بإسرائيل، وقبول شروط اللجنة الرباعية الدولية، والتزامات منظمة التحرير الفلسطينية.
الثاني: اسقاط حكومة "حماس" في القطاع، وهذا ما يفضله عباس.
أما الولايات المتحدة الأميركية، التي وقعت مع اسرائيل على اتفاقية انشاء الجدار الفولاذي داخل الأراضي المصرية، فإنها تريد اسقاط حكومة "حماس" لسببين:
الأول: انصياعا للأهداف الإسرائيلية، وتماهيا معها.
الثاني: انسياقا مع العداء الأميركي للإسلام، بغض النظر عن التصنيفات الداخلية ضمن البيت الإسلامي ذاته.
للتذكير، فإن الولايات المتحدة الأميركية تحولت إلى معاداة الإسلام مباشرة فور تفكك منظومة الدول الإشتراكية، وسقوط الإتحاد السوفييتي، وقد كان ذلك قبل تبين مخاطر تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة الأميركية، وهو الذي تأسس نهاية 1990، بالتزامن مع تفكك دول المنظومة الإشتراكية وسقوط الإتحاد السوفياتي، وقبل هجمات نيويورك وواشنطن في 11 ايلول/سبتمبر 2001.
وعلى ذلك، فإن الولايات المتحدة الأميركية تثبت بذلك، وبخلاف خطابي الرئيس باراك اوباما في استنبول، ثم في القاهرة، أنها تعادي الإسلام كله، معتدليه كما متشدديه، سواء بسواء.
وهو ما يدعو للتساؤل: أين هي مخططات الولايات المتحدة، حتى في عهد الرئيس المتشدد جورج بوش، لإدماج التنظيمات الإسلامية المعتدلة في أنظمة الحكم القائمة في دول المنطقة..؟!
ها هي الأيام تثبت كذب اوباما، كما أثبتت من قبل كذب بوش، وكل الرؤساء الأميركيين دون استثناء.
العدوان الإسرائيلي مقبل ثانية على غزة لا ريب فيه، لكن توقيته مرهون بجملة متطلبات:
أولا: اكتمال الإستعدادات العسكرية الإسرائيلية. وللتذكير، فإن حكومة بنيامين نتنياهو المشكلة في آذار/مارس 2009، تحدثت منذ ايامها الأولى عن حاجتها إلى ما بين سنة إلى سنة ونصف من الإستعدادات لشن حرب جديدة على غزة، تكون قادرة على تحقيق أهداف العدوان السابق التي افشلها صمود أهل غزة..!
ثانيا: اكتمال بناء الجدار المصري الفولاذي، من أجل احكام الحصار على القطاع.
ثالثا: اكتمال بناء قوات محمود عباس التي يتوالى تدريبها وتجهيزها في معسكرات خاصة خارج الأراضي الفلسطينية تحت إشراف الجنرال الأميركي كيث دايتون، على أسس عقائدية لا علاقة لها بالشعب الفلسطيني، لتكون جاهزة للإشتراك في القتال ضد الشعب الفلسطيني في غزة، بعد أن سبق تجربة بعض من وحداتها في القتال ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، بقيادة جنرال اسرائيلي قادها في هجوم على مقاومين فلسطينيين في الخليل، كما كشف ذلك دايتون نفسه في محاضرة القاها في 12 آيار/مايو الماضي أمام معهد واشنطن.
هل ينجح العدوان المقبل في تحقيق ما لم يتمكن من تحقيقه العدوان السابق..؟
كل المؤشرات تؤكد ذلك.
فالشعب الفلسطيني في قطاع غزة لن يستسلم لأهداف العدوان.
والشعب الفلسطيني في القطاع الذي تتواصل معاناته جراء الحصار، ومنع إعادة الإعمار على أيدي عباس ـ مبارك ـ نتنياهو ـ باراك، يتحرق لليوم الذي ينتقم فيه ممن عملوا على إذلاله، وهو جزء أصيل من شعب الجبارين.
ثم إن القدرات التسليحية لمقاتلي حركة "حماس"، وعموم فصائل المقاومة الفلسطينية ازدادت عما كانت عليه، كما أن صفحة القتال السابقة، زادت من كفاءة المقاومين، وقدراتهم القتالية وثقتهم في النفس.
أما بعد انفضاح أمر التواطئ المكشوف مع العدوان السابق على القطاع، والتواطئ المكشوف في التحضيرات اللوجستية للعدوان المقبل، من خلال بناء الجدار الفولاذي، فإن ردة فعل الشارعين الفلسطيني في الضفة الغربية، والمصري، على سلطة عباس ونظام مبارك، ستكون أكبر، وأكثر فاعلية، وعلى نحو مؤثر بما يكفي لإرباك أطراف المؤامرة والعدوان الثلاثي المنتظر ذو الرعاية الأميركية.
وأخيرا، الشعب الفلسطيني في غزة، شعب مجرب، وهو قادر على خوض أعتى التحديات، حتى ينبلج فجر التحرير، وينتصر الفلسطينيون على جلاديهم، وعلى الخونة والعملاء الذين خرجو من تحت جلدتهم.
لكم الله يا أهل غزة، وأمتكم العربية والإسلامية، وكل أحرار العالم الشرفاء معكم، والنصر لأمتكم سيتحقق حتما على ايديكم في المعركة الفاصلة المقبلة، والتي ستكون حتما آخر المحاولات، لأن الإسرائيليين لن يقاتلوكم كما يراد منهم، فهم ايضا يدركون أنه مطلوب منهم أن يخوضوا المعركة نيابة عن عباس ومبارك واميركا، وهم ليسوا على استعداد لأن يموتوا من أجل أي من هؤلاء.
أما أنتم فإنكم تقاتلون دفاعا عن النفس والشرف والأمة والدين، وكل القيم النبيلة التي تمجدها الشعوب والإنسانية جمعاء.
وعلى موعد من النصر الأكبر في معركة المعارك، وآخرها.. وإنما النصر صبر

