"اللي ما له كبير ما له تدبير"، المثل الفلسطيني السابق يقال في حق الحفاظ على كبار السن من الآباء والأجداد، كونهم بذرة القوة التي تستند العائلة إليها في كل المناسبات، وهم أيضاً بوصلة الأجيال المتعاقبة ومخزن الذكريات المكدسة بالأحداث والعادات والتقاليد.
ويعتبر المجتمع الفلسطيني مجتمع فتي، حيث تشكل فئة صغار السن نسبة مرتفعة من المجتمع في حين تشكل فئة كبار السن ما فوق الـ60 عاماً نسبة قليلة من حجم السكان، إذ بلغت نسبة كبار السن في فلسطين بما نسبته نحو 5% من إجمالي السكان منتصف العام 2021، وذلك جهاز الإحصاء الفلسطيني.
ولأن الفلسطيني لا ينفك عن أصوله الثابتة في الحفاظ على أعمدة البيوت وسراج العائلة الممتدة، فإنه من الضرورة الإلمام بالمعرفة الصحية والنفسية والاجتماعية للقيام بمهام الاعتناء بكبيرهم على أكمل وجه وعلى أسس صحيحة.
ويفضل اجتماعيون مواكبة كبار السن لعصر التطور والتحضر التكنولوجي في سبيل اعتمادهم على وسيلة سهلة للاستعانة بمساعدة في حال لو كانوا يقضون وقتاً كبيراً بمفردهم، مما قد يساعدهم على الاتصال بأقربائهم أو حتى الاتصال على طبيبهم.
وبحسب مركز الإحصاء الفلسطيني فإن البيانات تشير إلى أن نسبة كبار السن الذين يستخدمون هاتفاً خلوياً نقال تبلغ نسبتهم 76% لعام 2019، بينما بلغت نسبة الذين يستخدمون شبكات الانترنت منهم للعام 2019 بواقع 24% في الضفة الغربية و22% في قطاع غزة.
ويُنصح الأبناء بتهيئة المكان الذي يعتاش فيه والديهم، وذلك بأن يكون مهيئاً ومرتباً بالشكل الذي يوفر الراحة وسهولة التنقل، بدءً من سرير نومهم بقربه من نافذة تدخل إلى الغرفة هواءً نظيفاً وتسمح للشمس بالدخول إلى وسط الغرفة، لما في أشعتها من العافية وتنقية المكان من الميكروبات.
كما وينصح الأبناء الذي يمتلكون أباء كباراً بالسن بتنظيم أوقات شرب الدواء بأنفسهم دون ترك المهمة لوالديهم، تجنباً للخلط بالمواعيد أو تكرار أخذهم للدواء في مواعيد خاطئة.
وبعض النصائح تتلخص بإجراءات شكلية منها ترك مصباح ثابت للإنارة ليلاً خوفاً من تعثرهم، وترك هاتف بشكل دائم أمام المسن خوفاً من حدوث طارئ ولاستقبال المكالمات من الأقارب والأبناء، من باب إشراكهم في الحياة الاجتماعية وتجنب عزلهم.
ويتسم المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع متماسك، ويرجع ذلك لأحد الممارسات وهي وجود (الكبير)، وهو ذلك الرجل الذي يحتكم إليه الناس في خلافاتهم، ويستشيرونه في أمور حياتهم، ويثقون برأيه لرجاحة عقله، وهو شخص مسؤول تجاه مجتمعه، يحمل همهم ويخلص المشورة لهم دون مقابل، ويمكنه اتخاذ العديد من القرارات نيابة عن أفراد عائلته، فلا يضيع حق في وجوده، فنجد بيته هو بيت للجميع.
تلك منظومة اجتماعية تساعد على الترابط الاجتماعي، وتحد من المشاكل في ساحات القضاء، وتسهم في تقليل حالات النزاع، وتقلل من المشاكل الأسرية، وتبقى أسئلة تفرض نفسها على المجتمع، هل لا زالت ثقافة «كبير القوم» موجودة؟ وهل لغيابها أضرار على الترابط الاجتماعي؟ وهل وجودها ضرورة؟.
"نساعد الأبناء على البر"
"الرأي" تحدثت إلى المؤسسة الوحيدة في قطاع غزة "ابن سينا، والتي تعني بالصحة العقلية والنفسية لكبار السن داخل بيوتهم، من خلال رعاية كبير السن وتلبية حاجاته، وذلك بحسب رغبة الأبناء وتغطية ساعات انشغالهم وخروجهم لساعات طويلة من المنزل.
وقال بلال أبو شنب الشريك المؤسسي لـ"ابن سينا"، أن مؤسسته تقدم عدداً من الخدمات المختلفة، بهدف إكمال الدور المناط بالأبناء ومساعدتهم على بر أبنائهم في ساعات غيابهم نهاراً وليلا، على مدار أربع وعشرين ساعة.
وقدم أبو شنب من خلال مؤسسة ابن سينا دليلاً إرشادياً يعلم الأبناء ويزيد من ثقافتهم في كيفية التعامل مع آبائهم من كبار السن، لزيادة الوعي تجاه رعاية المرضى منهم وسبل التعامل معهم في حالات المرض مجاناً.
وتقدم "ابن سينا" خدمات متفرقة بحسب الحاجة، أولها تأهيل عددا من الممرضين والمختصين واستعدادهم لتغطية ساعات الفراغ لمساعدة الأبناء في بر آبائهم، وبعضهم يستعد لتأدية خدمته الإنسانية دون اختصاص في مجال التمريض، حيث يساعد الكبير في نظافته الشخصية وإطعامه الطعام ومساعدته في ممارسته ساعات يوميه بطريقة حيوية.
وقال أبو شنب أن المؤسسة أدت واجبها الإنساني في حالات الحروب وقدمت الرعاية لعدد من المسنين بطلب من أبنائهم المغتربين خارج البلاد، مشيراً إلى أن مؤسسته تتكفل بموظفيها من الناحية الأخلاقية والاجتماعية.

