على بعد أميال لا تتجاوز الاثني عشر ميلاً في عرض البحر، يتسابق عشرات الصيادين بمراكب صيدهم المتماسكة بعض الشيء لالتقاط أرزاقهم من بطن البحر، ولكن هذه المرة كان العزم في ساعات الفجر الأولى لحصد أكلة الموسم "الجلمبات" التي يفضلها الغزيون بطريقة جنونية.
في المقابل يعتمد كثير من الصيادين وعوائلهم في قطاع غزة على بيع "السلطعونات" كما يحلو للبعض تسميتها لكسب قوت يومهم في ظل شُح فرص العمل، إذ إن موسمها يوفر الكثير من فرص العمل المؤقت.
منذ نهاية شهر أغسطس من كل عام يغزو السلطعون شاطئ البحر ليحل ضيفاً لذيذاً على موائد الغزيين، بعد اصطياده من قبل بسطاء الصيادين الذين يحاولون استثمار موسمه الذي يستمر لقرابة الشهرين لتحسين ظروفهم المعيشية.
في ساعات الصباح الأولى وقبل أن يطل قرص الشمس بشعاعه المحمر صباحاً، يبدأ الصيادين بجمع حصاد الرحلة التي تستغرق أكثر من خمس ساعات، وما أن يبدؤوا بتخليص "السلاطعين" من شباك الصيد حتى يتزاحم جموع الناس حول "الفسفور البحري" ويتسابقون لشرائه طازجاً.
قطاع غزة ما يزال رغم الحصار وعمق الأزمات محظوظ بما يفيض به البحر، من أنواع الأسماك كالفريدي وسلطان إبراهيم واللوكس والقريدس، وحين تضيق على الصيادين الدنيا، بسبب تقليص مساحة الصيد المستمر، فالسريدة والسويسي والطرخونا وعديد الأسماك تصبح بدائل، ومع انتشار الفقر بين أوساط الغزيين، تصبح كل تلك الأصناف "كافيار" بعيد المنال عن أيدي المُتطلعين لجلسات غذاء بحرية.
وبحسب إحصائيات أصدرتها وزارة الزراعة بغزة فقد تبين في السنوات الثلاث الأخيرة أن إنتاج قطاع غزة من (السلاطعين) يزداد في أشهر فصل الخريف بشكل كبير وزيادة نسبية في أشهر فصل الربيع مقارنة بباقي أشهر السنة الأخرى، وذلك لاعتدال درجة الحرارة في فصل الخريف والربيع ما يؤدى لزيادة النشاط الفيسيولوجي لتلك الأسماك وتحركها بالاتجاه الشاطئ.
وأشارت الزراعة إلى أكثر المناطق الغنية بهذا النوع من الأسماك البحرية، حيث تعتبر مناطق دير البلح والسودانية من أكثر المناطق إنتاجا للجلمبات، حيث يتميز صيد هذه الأسماك بسهولة صيدها وقلة تكاليفها إضافة الى انخفاض أسعارها فسعر الصندوق الذي يزن 7 كغم يصل لحوالي 30 شيكل، وكان انتاج غزة كبيراً من هذه الأسماك القشرية في السنوات السابقة حيث كانت تصدر الى مصر والضفة الغربية.
يذكر أن الاحتلال الإسرائيلي لا يسمح للصيادين الفلسطينيين بتجاوز مسافة الاثني عشر ميلاً داخل البحر، مما يحرمهم من صيد أكثر ونوعية أفضل، بسبب القيود التي يفرضها عليهم. والمضايقات التي يتسبب بها.
عمل مؤقت
ويفضل الغزيون طهي "السلاطعين" بطرق مختلفة، كما ويفضلون الأكبر حجماً منها، وتناولها وسط أجواء عائلية ممتلئة بالضحك والأحاديث التي تضفي جواً من الألفة ومتعة الأوقات.
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور أمين أبو عيشة: "ما يميز صيد الجلمبات او السلطعونات أنها تكون على مسافات قريبة من الشاطئ وعلى عمق منخفض وموسمها في فصل الخريف، ولا تحتاج إلى معدات غالية الثمن، بل معدات بسيطة من الشباك، وتُنصب على عمق خمسة أمتار في البحر مما يشكل مصدراً عاماً وطريقة أسهل لمعالجة مشكلة البطالة خصوصاً للشباب غير العاملين في مهنة الصيد لقلة الإمكانيات وسهولة الصيد.
ويتابع أبو عيشة قائلاً: "تتميز سلطعونات غزة بجودتها مقارنة مع سلطعونات المحيط، نظراً إلى عدم تلوث شواطئ غزة بالنفط، وتُعتبر مصدراً للدخل ومصدراً للاستهلاك لتراكم مادة الفسفور التي يحتاج إليها الجسم عموماً، وبصفة خاصة توصف لضعاف البنية وتؤخذ لعلاج المعدلات المنخفضة من الخصوبة كـ"روشتة" علاجية.
وفي نهاية حديثه يوضح أبو عيشة أن أعداد الأشخاص الذين يعملون بالصيد والمهن المرتبطة بها تكثر خلال موسم السلطعونات، إذ يستغلّ العاطلون عن العمل هذه الفترة في العمل ولو مؤقتاً.

