ثمة آلة عسكرية لا تتوقف عن أداء مهمتها، تقنص برصاصة واحدة متفجرة عين الهدف دون تردد، لا يهم إن كان المستهدف يحملُ شارة يميز بها وظيفته التي يتواجد لأجلها في الميدان أو حتى أعزلاً لا يحمل شيئاً، وشارة الصحفي الفلسطيني خوذة فوق رأسه وبزة زرقاء تلتف حول صدره كُتب على واجهتها بالخط العريض "PRESS".
بينما تنشغل الآلة العسكرية بإطاحة دماء الفلسطينيين أمام الحواجز، تخصص واحدة لقتل الصحفي الفلسطيني لقطع أواصل الحقيقة مع العالم خارج حدود فلسطين، ذات الرصاصة فقأت عين الصحفي المصور معاذ عمارنة بالضفة المحتلة وكذا عين الصحفي في غزة عطية درويش، وهي ذاتها التي قتلت الصحفية شيرين أبو عاقلة والصحفية غفران وراسنة، ومن قبلهم دفع الصحفي ياسر مرتجى حياته ثمناً لفضح جرائم الاحتلال.
جهد منظم
ولا يكتفي الاحتلال بإطلاق رصاصته القاتلة في رأس الحقيقة، إنما تمتد يده لنسج مؤامرة يتقن حياكتها خارج حدود احتلاله، في محاولة لإخماد الرواية الفلسطينية ومنعها من الوصول إلى العالم، لذا تلاحق "إسرائيل" الصحفي الفلسطيني بكل الأدوات في كافة الميادين، في انتهاك واضح لكل الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية ذات العلاقة بحماية الصحفيين وحرية العمل الإعلامي.
وبسبب الضغوط الإسرائيلية والتقارير الكيدية، أقدمت صحيفة "نيويورك تايمز"، على فصل المصور الفلسطيني "حسام سالم" عبر مكالمة هاتفية معه، دون إبداء أسبابها.
ومنذ انضمامه إلى "نيويورك تايمز"، ظل سالم يغطي الأحداث الهامة في غزة، مثل الاحتجاجات الأسبوعية عند السياج الحدودي مع الاحتلال، ووثق الهجوم "الإسرائيلي" على قطاع غزة في أيار/مايو 2021، والذي أسفر عنه استشهاد 254 فلسطينيا على الأقل، بينهم 66 طفلا، كما أجرى مؤخراً تحقيقا مصوراً في استشهاد الممرضة الميدانية رزان النجار.
وتابع سالم قائلاً: "لم تنجح مجلة "هونيست ريبورتينغ" في إنهاء عقدي مع صحيفة نيويورك تايمز فحسب، بل إنها أيضاً عملت بنشاط على ثني وكالات الأنباء الدولية الأخرى عن التعاون معي ومع زملائي الصحفيين".
وأردف: "ما يجري هو جهد منظم لتشويه صورة الصحفيين الفلسطينيين على أنهم غير قادرين على الثقة والنزاهة، لمجرد أننا نغطي انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني بشكل يومي على يد الجيش الإسرائيلي".
ويقول الصحفي "سالم"، إنّه فهم لاحقًا أنّ قرار فصله تم على خلفية إعداد تقرير نشره موقع "Honest Reporting" في 26 آب/ اغسطس، أعدّه محررٌ هولندي -حصل على الجنسية الإسرائيلية قبل عامين-صرّح لاحقًا بأنه نجح في طرد ثلاثة صحفيين يعملون مع صحيفة "نيويورك تايمز" في غزة، واصفًا إياهم بـ"معادي السامية"، ونشر بوستات تمجّد الشهداء والمقاومة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ويعرب سالم عن أسفه بقوله لـ"الرأي": "نيويورك تايمز انحازت بشكلٍ سافر حينما قررت التجاوب مع ما أوردته "هونست ريبورتنغ" في تقريرها، وأعلنت اتخاذها الإجراءات المناسبة بحقنا بعد يومين فقط من تاريخ نشر التقرير 24 آب/ أغسطس 2022، لينشر الموقع الإسرائيلي انتصاره بخبر توقيفي عن العمل وزميليَّ معي كذلك".
حال الصحفي "سالم"، كان كحال الكثيرين من الذين تعرضوا للفصل التعسفي، بسبب السياسة العنصرية ضد المحتوى الفلسطيني بناء على تحريض واضح وصريح من قِبل "إسرائيل"، الأمر الذي أنتج عددا من المؤسسات الإعلامية الدولية المنحازة للسياسة السامية ومعاداة الرواية الفلسطينية الموثقة بالصوت والصورة، عدا عن تقييد وصول المحتوى الفلسطيني عبر خورزميات مواقع التواصل بإشراف مباشر من شخصيات اعتبارية في دولة الكيان.
بلا حماية
ويبدو أن وسائل الإعلام الدولية تكيل بمكيالين لعدم وجود أي جسم صحفي، حقيقي يحمي الصحفيين من بطش قراراتها، حيث تتعامل بمعياري الصحفي الإسرائيلي الذي يعمل في الوكالات الأجنبية ويذهب للخدمة العسكرية 30 يوماً، ويحمل بارودته ويقتل في قطاع غزة والضفة، ثم يعود لحمل كاميرته لا يحاسب، في حين يحاسب الصحفي الفلسطيني على منشور يكتبه على حسابته الشخصية.
الإعلامية الفلسطينية مرام سالم غادرت الضفة الغربية المحتلة لتحظى بمساحة كافية من الحرية في التعبير عن رأيها، إلا أنها تصادمت بجدار العنصرية وكبح جماح الرواية الفلسطينية بعد عملها مع الوكالة الألمانية دويتشه فيله.
من جانبها، قالت مرام سالم على حسابها على فيسبوك "لقد تم إعلامي بقرار فصلي من دويتشه فيله وذلك عقب نشر صحفي ألماني تقريرًا يتهمني مع زملاء آخرين بمعاداة السامية وإسرائيل"، متابعة أن نتائج التحقيق لدى دويتشه فيله أثبتت أن هويتك كفلسطيني كافية لأن تكون سببًا في اتهامك بمعاداة السامية.
وحمّلت الصحفية سالم دويتشه المسؤولية الكاملة عن صحتها العقلية والنفسية والجسدية خلال فترة التحقيق معها وتبعات مستقبلها المهني، بدورها، بينما برّرت دويتشه فيله قرارها، وقالت إن تقريرًا حول تصريحات عدد من العاملين بها خلص إلى "عدم وجود سياسة ممنهجة لمعاداة السامية داخل القسم العربي، بل يقتصر الأمر على حالات محدودة".
محاربة رقمية
التحريض الرسمي "الإسرائيلي" بحق المحتوى الفلسطيني وتعمّد استهدافه بشتى الوسائل ومحاربته، حيث صرح وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي بيني غانتس أنه يجب النشاط والعمل بشكل أكبر على منصات التواصل الاجتماعي لمنع وتضييق المحتوى الفلسطيني.
ويعرب مركز صدى سوشال عن تخوفاته من تصاعد حملة التضييق بحق الصحفيين والحريات الإعلامية بعد تصريحات غانتس، خاصة وأن هذا التحريض يأتي بالتزامن مع الأحداث المتلاحقة ميدانيًا في مختلف المناطق الفلسطينية، والتي من شأن هذه التضييقات على الإعلام والصحافة الفلسطينية أن تؤثر على وصول الفلسطينيين للمعلومات والأخبار التي تمس واقعهم وأمنهم، كما تنتهك القانون الدولي والحق في التعبير.
وكان صدى سوشال قد رصد منذ بداية العام الجاري أكثر من 990 انتهاكًا بحق المحتوى الفلسطيني عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، 49% منها كانت بحق الصحفيين والحسابات الإعلامية، وعزز ذلك رصد دولة الاحتلال ميزانيات ضخمة لمحاربة المحتوى الفلسطيني والضغط على إدارات منصات التواصل الاجتماعي للتضييق على الرواية الفلسطينية وحذف حتى المضامين الصحفية.
بدوره دعا المكتب الإعلامي الحكومي وسائل الإعلام المحلية والدولية بتكثيف تسليط الضوء على جميع الممارسات القمعية التي ينفذها الاحتلال مع سبق الإصرار والترصد بحق شعبنا الفلسطيني بكافة فئاته من مدنيين وصحفيين بشكل سافر يتنافى مع كل المواثيق الدولية التي تضمن الحماية لهم.
واستنكر الإعلام الحكومي رفضه لتحيز الرواية الغربية الممنهجة والتي زادت عن حدها، وغض الطرف العلني عن نشر الحقيقة فيما يخص القمع والإرهاب الحقيقي الذي تمارسه آلة الحرب الإسرائيلية تجاه الأطفال والمدنيين في كامل فلسطين عموما وقطاع غزة تحديدا.

