للوهلة الأولى وبمجرد أن تطأ قدماك المدخل المؤدي إلى قصر الباشا بغزة، تعود بذاكرتك إلى العصور التي لطالما قرأنا عنها في الكتب وشاهدنا بعضها في الدراما التاريخية التي تروي عظمة التراث وعبق التاريخ، باعتباره النموذج الوحيد المتبقي من القصور.
ستة دونمات هي المساحة التي يقع عليها قصر الباشا في حي الدرج بالطرف الشمالي من البلدة القديمة لمدينة غزة، وأطلقت عليه مسميات عدة من بينها قصر آل رضوان الذين امتلكوه في فترة الحكم العثماني، كما أطلق عليه دار السعادة والدار العظيمة، وقلعة نابليون.
ويعد القصر، معلماً تاريخياً وحضارياً وأثرياً مهماً في المدينة منذ إنشائه في العهد المملوكي قبل أكثر من 7 قرون، وحتى يومنا هذا الذي تحول جزء منه إلى متحف.
ويضمّ المتحف مئات القطع الأثرية، من فخّار، زجاج، أعمدة كوراثية، زينة نساء، وغيرها، وتعود تلك القطع إلى عدد من العصور، منها العصر اليوناني، الروماني، البيزنطي، والإسلامي بما يحتويه من العصر الأيوبي والأموي والمملوكي والعثماني.
7000 زائر في 2022
ويضج متحف قصر الباشا بغزة بالعديد من الزائرين وهو ما بدا واضحاً، خلال شهر ديسمبر الحالي، حيث بلغ عدد الزوار 3000 زائر بعد مشروع إعادة تأهيل ممرات الحركة والحديقة، والتي أسهمت بتوسعة المساحات استجابة وتلبية لزيادة القدرة الاستيعابية للأعداد المتزايدة من الزوار في الآونة الأخيرة.
د. محمد خلة الوكيل المساعد لوزارة السياحة والآثار، أكد أن المتحف يعد قبلة للزوار وبداية انطلاق للتعرف على المعالم التاريخية في البلدة القديمة، ويستقبل يومياً المئات من الزوار وتقدم فيه خدمة الإرشاد التوعوي طيلة فترة الدوام.
وأكثر ما يميز متحف قصر الباشا أنه يزاوج بين المبني التاريخي، كما ويستخدم كمتحف لعرض القطع والمقتنيات الأثرية من مختلف الحقب الزمنية والمستخرجة من الحفريات، والتنقيب في المواقع بقطاع غزة، وفق خلة.
وقال: "إن نسبة إقبال المواطنين على متحف قصر الباشا شهد ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات الماضية، فقد سجلت الاعداد الزائرة للمواقع الاثرية خلال العام الحالي 2022 ما يزيد عن7000 ألف زائر محلي، شملت النخب الإعلامية والمؤسسات التعليمية المدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والأهلي والمختصين ورواد المجتمع الفلسطيني".
وكشف خلة أن العام الحالي استقبلت فيه المواقع الاثرية 80وفد أجنبي، ضم الاتحاد الأوروبي وقناصل الدول الاوربية وهيئات الأمم المتحدة وممثلي الباباوية والكنائس وسفراء الدول العالمية والصليب الأحمر واليونسكو.
وتقدم الوزارة والحديث لخلة، الخدمات التوعوية والإرشادية والمطبوعات، وتعرض الأفلام القصيرة التي تشرح أنماط الحياة السائدة في تلك الحقب والعصور، موضحاً أن المتحف يعرض في قاعاته الشواهد المادية والتاريخية التي توثق حضارة وعراقة ومجد وتراث الشعب الفلسطيني منذ آلاف السنين.
واعتبر الوكيل خلة أن ارتفاع نسبة الوافدين مؤشر إيجابي على رفع وعي المواطن بحضارته وتجذره بأرضه وانتمائه لها وفخره واعتزازه بمورثه الحضاري التاريخي الإنساني، مشدداً على تعزيز الشراكة مع المؤسسات الحكومية والأهلية والدولية للنهوض بواقع قطاع الآثار، وصيانة وترميم وإعادة تأهيل البيوت والمواقع الأثرية، وتعزيز الأنشطة اللامنهجية لجمهور المواطنين، ونشر المعرفة التاريخية للمعالم والمقتنيات الوطنية.
معلم تاريخي
من جهته قال الباحث في التاريخ والتراث د. ناصر اليافاوي:" إن قصر الباشا يعد معلماً تاريخياً وحضاريا وأثريا هاماً في فلسطين، وله قيمة معمارية هامة، ومن أجمل المواقع الأثرية الموجودة بقطاع غزة التي توثق تاريخ الشعب الفلسطيني وحضارته".
وأوضح اليافاوي في حديثه لـ"الرأي" أن الحجارة التي بني بها القصر والجدار والأقواس والعقود والأقبية المتقاطعة، إضافة إلى الغلاف الخارجي والغرفة الداخلية كلها صممت بشكل هندسي فريد، وهي ذات قيمة معمارية هامة.
وحسب ترجيح الباحث، فإن قصر الباشا تم تجديده فترة الحكم العثماني زمن حكم الأسرة الغزية آل رضوان عام 1584م، وتم بناءه في العصر المملوكي زمن الظاهر بيبرس (1260-1277م)، مستدلا بذلك لوجود شعار الظاهر بيبرس الموجود على مدخله الرئيس، والذي هو عبارة عن (أسدين متقابلين) نفس الشعار الموجود على جسر جنداس في مدينة اللد.
وأشار إلى أن جميع محتويات الطابق الثاني من المبنى إلى العصر العثماني، حيث تم تشييده في القرن السابع عشر الميلادي، وخدم قصر الباشا وقتها “رضوان باشا”، ومن هنا أطلق على القصر “قلعة رضوان باشا”.
وأضاف اليافاوي:" يتكون القصر من بناءين منفصلين، الواجهة: تتزين واجهاتهما وأعتاب مداخلهما بأشكال مختلفة كالأطباق والنجمية والزخارف النباتية والمحورة والدعامات السائدة، وهي عناصر معمارية لدعم الواجهات، خاصة المرتفعة، بالإضافة إلى العقود التي تزين المداخل، وتستخدم فيها الأحجار الجيرية والرخامية الملونة".
أما الطابق السفلي فيتكون من ثلاث قاعات رئيسة مسماة بأسماء مدن فلسطينية، قاعة حيفا وقاعة يافا وقاعة القدس، وبها آثار بيزنطية وعملات نقدية وأدوات فخارية، وآثار إسلامية أيوبية ومملوكية وعثمانية، منها أباريق نحاسية، فيما يضم الطابق العلوي قاعتين وهما عكا والرملة، وهو يحتضن آثاراً برونزية وكنعانية وحديدية ويونانية ورومانية وبيزنطية.
وأكد اليافاوي أن الاحتلال يحاول دائماً طمس حضارتنا وتاريخنا، حيث تعرض القصر لحريق متعمد قام به مستوطنون في ثمانينيات القرن الماضي.

