ظروف قاسية حد القهر يعيشها الأسرى المرضى في سجون الاحتلال، خاصة الذين يعانون من أمراض سرطانية، ناهيك عن ألم السجن وعذاباته، وألم السجّان وجبروته، بجانب وجع المرض، ما يفاقم معاناتهم ويتسع معها حجم الألم.
تلك المعاناة توجت اليوم باستشهاد ناصر أبو حميد"50 عاماً"، من مخيم الأمعري بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة والمعتقل منذ عام 2002، حيث حكمت عليه محكمة الاحتلال بالسجن المؤبد 7 مرات، و50 عاماً إضافية (مدى الحياة)، بتهمة مقاومة الاحتلال.
وللأسير أبو حميد خمس أشقاء يقضون عقوبة السجن مدى الحياة في السجون الإسرائيلية، فيما هدمت قوات الاحتلال منزل العائلة مرات عديدة، وحُرمت والدتهم من زيارتهم لسنوات.
ورغم كل المطالبات الداعية للإفراج الفوري عن الأسير أبو حميد الذي كان يخضع لرحلة العلاج الأولى بالكيماوي جراء إصابته بمرض السرطان داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي وتفاقم حالته الصحية، إلا أن مصلحة السجون كانت ترفض ذلك، حتى ارتقى شهيداً اليوم.
700 أسير مريض
مدير دائرة الإعلام في وزارة شؤون الأسرى والمحررين بغزة، إسلام عبده، أوضح أن عدد الأسرى المرضى وصل إلى نحو 700 أسير مصابون بأمراض مختلفة، وهم بحاجة لعمليات جراحية عاجلة، مؤكداً أن كل تأخير هو بمثابة تغلغل للمرض في جسد الأسير، وبذلك يصبح من الصعب تقديم العلاج والرعاية الطبية له.
وقال عبده في حديثه لـ"الرأي":" هناك أسرى مرضى مصابون بالسرطان وصل عددهم 24 أسير، فيما يوجد أسرى يقيمون بشكل دائم فيما يسمى بعيادة سجن الرملة وعددهم ما يقارب من 18 أسير"، لافتاً إلى أن هناك أيضاً نحو 13 من الأسرى المرضى غير قادرين على الحركة، و45 من ذوي الإعاقات يحتاجون إلى كراسي وعكاكيز من أجل الحركة والتنقل.
وكانت مصلحة سجون الاحتلال قد نقلت أبو حميد المصاب بالسرطان مجدداً إلى مستشفى "اساف هروفيه" بشكل عاجل، بعد تدهور حاد أصاب جهاز المناعة لديه، الأمر الذي كان يتطلب العمل على إنقاذ حياته قبل فوات الأوان.
وأكد عبده أن الاحتلال يتعمد سياسة الإهمال الطبي بحق الأسرى المرضى، مشيراً إلى أن هناك ارتفاع في أعداد الأسرى المرضى، فيما بلغ عدد من ارتقوا داخل السجون 233 أسير شهيد بسبب الاهمال الطبي.
ومن الأسرى المرضى الذي استشهدوا داخل سجون الاحتلال، الأسير الشهيد سامي العمور الذي لم يكن يعاني من أية أمراض، وكمال أبو وعر وعزيز عويسات وسعد الغرابلي، وميسرة أبو حمدية وداوود االخطيب، وهؤلاء جميعهم أُستشهدوا جراء ممارسة الاعدام الصامت بحق الأسرى.
وترفض إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية إدخال أطباء من خارج السجن لعلاج الأسرى المرضى، أو الافراج المبكر عنهم، أو حتى إخلاء سبيلهم لتلقي العلاج اللازم، وحرمانهم من العيش قليلًا بين أحضان ذويهم.
إعدام صامت
ويشجع الصمت الدولي تجاه انتهاكات الاحتلال بحق الأسرى، على ارتكابه مزيد من الجرائم واستهداف الأسرى بشكل متواصل بعيداً عن أعين الكاميرات، وهو ما يمنحه الضوء الأخضر للتمادي في سلب حقوق الأسرى المشروعة.
ويتعرض الأسرى للإهمال الطبي، وعدم توفير الأدوية والعلاج اللازم للمرضى منهم، بل الاكتفاء بالمسكنات وغالباً يحصلن فقط على مسكن الأوجاع الأكامول بديلا عن الأدوية والعلاجات الحقيقية.
وتنتشر الأمراض في صفوف الكثير من الأسرى، كالالتهابات والأزمات الصدرية والأمراض الجلدية وأمراض العيون وقرحة المعدة والبواسير، وانتفاخ البطن والأمراض المرتبطة بفصل الشتاء، وأيضا الأمراض المزمنة والناتجة عن الإصابة بالرصاص قبل الاعتقال، أو التعذيب بعد الاعتقال وبقائها دون علاج ودون رعاية صحية.
وزارة العدل نعت الأسير الشهيد ناصر أبو حميد الذي استشهد في مشافي الاحتلال الإسرائيلي مقيداً بعد معاناته لوقت طويل مع مرض السرطان القاتل دون تمكينه من تلقي العلاج، ودون الإفراج عنه رغم مطالبات ذويه المتكررة ونداءات حقوقية مستمرة.
وأكدت الوزارة أن الشهداء الأسرى ليسوا أرقاماً بل هم أساطير نضالية تدرس لأجيال التحرير القادمة، ويجب ألا تضيع أمجادهم مع مرور الزمن.
وحمّلت الوزارة الاحتلال الإسرائيلي وسلطات سجونه المتجبرة المسؤولية التامة عن ارتقاء الشهيد أبو حميد، مشددة على أن جريمة الإهمال الطبي الممنهجة ضد الأسرى بمثابة جريمة إعدام تستوجب العقاب الموازي لمرتكبيها، وهي جريمة ضد الإنسانية تنتهك كافة المواثيق والمعاهدات الدولية التي تنص على حقوق الأسرى في تلقي الرعاية الصحية اللازمة.
وتقدمت الوزارة من والدة الشهيد أبو حميد بأحر التعازي والمواساة، مؤكدة أنها قدمت لفلسطين ثمرة عمرها وفلذات كبدها جميعاً وأنها بحق سطرت أسطورة نضال لا تُنسى مع أبنائها.
ويقبع في سجون الاحتلال أكثر من 6000 ألاف أسير فلسطيني، يعانون من ظروف قاسية وصعبة في ظل استمرار الصمت الدولي على جرائم الاحتلال بحقهم.

