غزة- الرأي
على مدار عقود من الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين تعرض المواطن الفلسطيني لكل أشكال الترهيب والعنصرية ودفع في سبيل المحافظة على حقوقه وأرضه أثمانًا باهظةً، فلم يسلم الشيخ الكبير ولا الطفل الصغير ولا المرأة ولا الشاب اليافع من بطش وجبروت الاحتلال، وكان الاعتقال والسجن واحدًا من سياسات الاحتلال الأكثر بطشا بحق الشعب الفلسطيني.
وزارة الأسرى والمحررين رصدت بالأرقام والأدلة واقع الأسرى داخل السجون ومعاناتهم المتجددة والمتضاعفة بفعل إجراءات الاحتلال وإدارة سجونه الذين يضربون بعرض الحائط كل الأعراف والقوانين الدولية التي تنص بشكل واضح على حقوق الأسير الإنسانية.
حيث بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي مع نهاية العام 2022 نحو (4650) أسيرًا، بينهم (165) طفلاً و(29) امرأة، ونحو (850) معتقلاً إداريًا و(552) أسيرًا محكومًا بالسجن المؤبد، ونحو (310) أسرى مضى على اعتقالهم أكثر من عشرين عاما بشكل متواصل.

• حالات الاعتقال اليومية:
مع شروق شمس كل يوم في الأراضي الفلسطينية ووفقًا للطبيعة من المفترض أن يستيقظ الناس لالتقاط أرزاقهم أو الذهاب إلى أعمالهم وقضاء مصالحهم، في فلسطين الأمر لا يبدو كذلك، فمع دخول خفافيش الظلام وانسلالها ليلا للمدن والقرى يستيقظ الناس على وقع الاعتقالات، والكل يتساءل من اعتقل؟ وكم عددهم؟ وما الذي تعرضوا له؟
تكرار هذا المشهد اليومي أسفر عن تسجيل نحو (7000) حالة اعتقال بين أبناء الشعب خلال العام 2022 فقط، لم يكن هناك أحد مستثنى من هذا المشهد، فالرجل والشيخ والمرأة والطفل كلهم هدف مشروع تحت وطأة السلاح والجندي الذي أتى من الشرق والغرب ليستقر في مستقر غيره، نحو (160) امرأة و(850) طفلا ذاقوا مرارة الاعتقال خلال هذا العام، الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، بل إن الاعتقال يصاحبه فعل أكثر وحشية ومرارة بالضرب حينًا وإطلاق النار حينًا والشتم والسب واقتحام المنازل وتفتيشها وبعثرة محتوياتها فوق رؤوس ساكنيها. "أن تخرج سليما من هذا المشهد هو النجاة الحقيقية".
ثم ما أن يصل الأسير إلى مركز التحقيق والتوقيف حتى تبدأ معه مرحلة أكثر وحشية من خلال التحقيق والتعذيب الذي يمارسه جهاز الشاباك على المعتقل من تعذيب نفسي وجسدي وشبح لساعات طويلة وحرمان من النوم والضرب المبرح والصعق بالكهرباء ويمكن أن يصل الأمر إلى اعتقال أفراد العائلة المقربين من أب وأم وزوجة وأبناء للضغط على المعتقل من خلالها للإعتراف، وأساليب متجددة يسعى الاحتلال من خلالها لترك أثر نفسي وجسدي غائر على الأسير.
أسلوب جبان وإجراء انتقامي واعتقال ظالم وحجز تعسفي.. قل ما تريد عن تعريف هذا النوع من الاعتقال، وحتى لا ننسى أنه إرث سيئ من الاحتلال البريطاني لفلسطين، يستخدمه الاحتلال الإسرائيلي بحق كل من هو فلسطيني أيا كان منصبه ومكانته، وللهروب خطوة الى الأمام سنوا له قوانين وشرعوه في منظومتهم وطوروا استخدامه ليكون صالحًا في أي زمان ومكان، وبالمدة التي يريدون، فكان أن أصدر الاحتلال خلال العام 2022 نحو (2400) أمر اعتقال إداري تنوعت ما بين قرارات تجديد وقرارات جديدة، ليسجل العام 2022 قفزةً نوعيةً في أعداد الأسرى الإداريين حيث زادت أعدادهم بنسبة 100% عما كانت عليه في نهاية عام 2021، ويشكل الأسرى الإداريون ما نسبته 18% من إجمال أعداد الأسرى داخل السجون، بواقع ما يقارب (850) معتقلاً إداريًا، وبغض النظر عن حرمان المعتقل الإداري من حقه في الدفاع عن نفسة أو حق محاميه في الإطلاع على ملفه الذي يصنفه الاحتلال ملفًا سريًا فان أكثر من (55) ألف قرار اعتقال إداري صدر بحق الأسرى منذ عام 1967.
وهنا لابد من التطرق لأمر أكثر خطورة وهو "المنظومة القضائية للاحتلال" التي أصدرت هذا الكم الهائل من هذه القرارات التعسفية، والتي أصبحت شكلية فقط وتنفذ أجندات وتوجهات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بل إنها أصبحت مجردة من كل قيم العدالة والإنصاف، ولم تعد صالحة للنظر في قضايا الأسرى الفلسطينيين، خاصة حينما نرى أن بعض قرارات الاعتقال الإداري تصدر عن الحاكم العسكري للمنطقة أو وزير الحرب أو حتى رئيس الحكومة، بل إن قاعات هذه المحاكم تحولت لمراكز جباية تنهب وتسلب أموال الأسرى من خلال فرض الغرامات المالية حتى وصلت الى عشرات ملايين الشواقل خلال العام 2022.
أقدم الأسرى الإداريون ومنذ بداية العام 2022 ومن خلال اللجنة الوطنية التي تمثلهم داخل السجون بتنفيذ خطوة مقاطعة محاكم الاحتلال بكافة أنواعها حتى إشعار آخر احتجاجًا على تصاعد وتيرة الاعتقال الإداري في محاولة جديدة منهم لوقف أو تقنين استخدام هذا النوع من الاعتقال.
![]()
• الأسرى المرضى:
طبقًا لأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني الذي يتيح للأسير الحق في الرعاية الطبية والعلاج فإن هذا الحق تحول الى أداة قتل بطيئة وإعدام ممنهج بحق الأسرى، فواقع الحالة الصحية للأسرى المرضى داخل السجون يعجز وصفه، فقد سجل العام 2022 ارتفاعًا في أعداد الأسرى المرضى ليتجاوز الـ(700) أسير مريض يحتاجون إلى رعاية طبية مسستمرة ومتابعة يومية وعلاج دائم، فيما ارتفعت أعداد الأسرى المرضى بالسرطان إلى (25) أسيرًا مسجلين صعودًا بنسبة 200% عن نهاية عام 2021 حيث كانت أعدادهم لا تتجاوز الـ (8) أسرى فقط.
هذا الإرتفاع لم يأتي صدفة وإنما شاركت به عوامل عدة، كان أبرزها تكثيف إدارة السجون من وضع أجهزة التشويش على الهواتف والتي تعمل بأنظمة إشعاعية تسبب أمراض سرطانية بشكل مباشر، وهي أجهزة تعمل بقوة تصل الى نحو 3000 ميجاهرتز، وتستخدمها حكومات وجيوش في الحروب، بينما يستخدمها الاحتلال لحرمان الأسرى من استراق همسة أطفالهم أو سماع دعوة أم تحيي فيهم أمل الحرية والعودة الى أهلهم وذويهم.
في السياق فإن سياسة الإهمال الطبي المتعمدة التي تمارسها إدارة السجون بحق الأسرى هي الأخرى سجلت ارتفاعًا ملحوظًا، تأخير في التشخيص، وإهمال في العلاج، وعيادات لا تحتوي على أطباء متخصصين، وبيئة تفتقر إلى التهوية وأشعة الشمس وغيرها الكثير، كلها أسباب ومسببات جعلت من مجتمع الأسرى مكانا للقتل والاعدام تحت مقصلة المرض والإهمال الطبي، ومؤخرًا كان ضحية هذه السياسة الأسيران وليد دقة ويوسف مقداد.
إن سياسة الإهمال طبي هي سياسة مدروسة ومخطط لها بعناية وتمارسها إدارة السجون بحق الأسرى بشكل متعمد، وبتفسير أكثر وضوحًا نستطيع القول أن إدارة سجون الاحتلال تترك الأسير يعاني المرض والوجه والألم حتى يصل إلى مرحلة أو نقطة تسمى "مرحلة اللاعودة"، ومن ثم يتم عرضه على أطباء تابعين لإدارة سجون الاحتلال وفي أغلب الأحيان يكون التشخيص خاطئًا وهكذا حتى يصل الأسير لمرحلة الموت وفقدان الحياة.

• العقوبات والغرامات المالية:
لم يتوقف الاحتلال عند حد اعتقال المواطن الفلسطيني والزج به في القبور المظلمة، بل إن مسلسل الملاحقة والإستهداف يتواصل حتى داخل السجن وبشكل أكثر دموية وفظاعة، فلا يكاد يخلو يوم دون أن تهتز جدران وأبواب السجون أو يستيقظ الأسرى في ساعات الليل المتأخرة على قرع الأبواب وأصوات الكلاب، التي تكاد تقتلع أرضهم وتهدم جدرانهم فوق رؤوسهم، فما أن يلقي الأسير نظرة الإنتباه لما يجري حتى تتحول زنزانته الى ثكنة عسكرية وتبدأ معها رحلة جديدة من الألم والمعاناة، ضرب وتكسير وتخريب وتقييد، يخرجون الأسير تحت تهديد السلاح والغاز إلى ساحة السجن دون السماح له حتى بارتداء ما يقيه برد الشتاء، كما أن العودة غير مضمونة فغالبًا ما يذهبوا بهم إلى زنازين الموت والعزل الإنفرادي التي يضطر فيها الأسير أن يجعل من الجدران السوداء الخشنة صديقة تكلمه ويكلمها ويقضي وقتًا غير معروف بصحبتها، وحتى تاريخ كتابة هذا التقرير هناك نحو (40) أسيرًا معزولون في هذه القبور.
فمنذ عملية نفق الحرية في سبتمبر من العام 2021 تصاعدت عمليات الإقتحام لغرف وأقسام الأسرى وتصاعدت معها حدة الانتهاكات حتى وصلت لمستويات قياسية خلال عام 2022.

• زيارات الأهالي:
من بين المعاناة والآلام لابد من لحظات تعيد لنا الذكريات الجميلة، ننتظر هذه اللحظات بكل شوق ولهفة، داخل السجن ليس هناك شيء يسيطر على تفكير الأسير سوى الحرية، لكن زيارة الأهل كما يعرفها الأسرى داخل السجون هي "نصف حرية" وهي لحظات على قلتها وندرتها، إلا أنها تترك في ذهن الأسير ذكريات يستمد بها مزيدًا من الصبر والصمود، وكعادتها تأبى إدارة السجون أن تجعل المشهد يكتمل، فحولت رحلة الأهالي لزيارة ذويهم إلى رحلة شاقة عصيبة، يخرجون في ساعات الفجر الأولى ويعودون في ساعات الليل المتأخرة، يقضون ما يقارب 16 ساعة في الطرقات وعلى بوابات السجون والحواجز المنتشرة، وبعضهم قد يعود دون أن يكمل الطريق تحت حجج وذرائع مختلقة من الاحتلال، كل هذه المشقة حتى تلتقي الأم أو الإبن أو الأب بالأسير في زيارة لا تتجاوز مدتها في أفضل الظروف 40 دقيقة فقط، ويفصل بينهم حاجز زجاجي، ويتحدثون من خلال هاتف وليس بشكل مباشر، ثم إن على أهالي الأسرى أن يخوضوا معركة جانبية مع إدارة السجن لإدخال ما أحضروه من هدايا وملابس ومستلزمات للأسير وفي المجمل فإن غالبية ما يتم إحضاره يعود معهم أدراج الطريق تاركا حسرة في قلوب الجميع.
الوجه الآخر لمعاناة الأسير هو الحرمان من الزيارة فهناك نحو (100) أسير من قطاع غزة إضافة إلى مئات الأسرى من الضفة الغربية والقدس محرومون من الزيارة تحت حجج وذرائع واهية تختلقها إدارة السجون، ولا غرابة إن علمنا أن بعض الأسرى لا يسمح له بالزيارة ليس لأنه معاقب أو ممنوع، بل لأنه ليس لديه قرابة من الدرجة الأولى كأب او أم او إبن او أخت فجميعهم إما فقدوا حياتهم أو أنهم خارج البلاد، فسنوات السجن الطويلة جارت على الجميع فتقطع شملهم.
![]()
• الأسرى الشهداء:
1، 2، 3، 4، 5،.................، (233)، ؟؟؟؟ هذ معادلة الأسرى الشهداء أو ما يطلق عليهم شهداء الحركة الأسيرة، الذين استشهدوا داخل السجون، فدفعوا من دمائهم وحريتهم وأنفسهم ثمنًا ليحيا الشعب بكرامة وحرية، فعام 2022 شهد استشهاد خمسة أسرى وهم "سعدية مطر، داوود الزبيدي، محمد غوادرة ، محمد حامد، ناصر أبو حميد"، لترتفع بذلك قائمة شهداء الحركة الأسيرة إلى (233) أسيرًا شهيدًا، تنوعت أداة الاحتلال في قتلهم فقضى منهم نحو (78) شهيدًا بفعل سياسة الإهمال الطبي، و(73) شهيدًا قضوا تحت التعذيب أثناء التحقيق، فيما قضى (75) شهيدًا بعد إطلاق النار عليهم مباشرة أثناء اعتقالهم، و(7) شهداء قضوا في عمليات إطلاق نار واقتحامات داخل السجون، الأمر لن ينتهي عند هذا الرقم فعقلية الاحتلال العنجهية في التعامل مع الأسرى ستجعل الباب مفتوحًا أمام ارتقاء المزيد من الأسرى داخل السجون.
لم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن إجرام الاحتلال وساديته تجاوزت إلى أن يتم احتجاز جثامين (11) أسيرًا شهيدًا أقدمهم الأسير أنيس دولة من قلقيلية المحتجز جثمانه منذ عام 1980 إضافة إلى عزيز عويسات، وبسام السايح، وفارس بارود، وداوود الخطيب، وسعدي الغرابلي، وسامي العمور، وكمال أبو وعر، ونصار طقاطقة، ومحمد غودارة، وناصر أبو حميد.

• الأسرى والمرحلة المقبلة:
لاشك أن الحركة الأسيرة ومع نهاية العام 2022 تمر بأكثر فتراتها خطورة وحساسية، وذلك بالنظر إلى وصول اليمين المتطرف لسدة الحكم في الاحتلال ومعه بدأت تتعالى أصوات جديدة لتشديد القبضة على الأسرى، والعمل على سن القوانين والتشريعات التي تتيح للمتطرفين بممارسة المزيد من الإجراءات والإنتهاكات ولعل أخطرها هو التوجه نحو إقرار قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، والذي يمكن أن يكون عامل تفجير للأوضاع داخل السجون وبداية معركة مفتوحة لايمكن توقع نهايتها أو نتائجها.

